تاريخ القراءة.. محاولة ركيكية في تشابه منهج إيكو

عندما أنهيت الكتاب بعد محاولة حثيثة للتفاعل الجدّي معه، وصعوبة بالغة للشعور بالمتعة تجاهِه، تلك المتعة الجاهزة في وعي القارئ بأنّ كل ما يتحدث عن الكتب، يجب أن يكون جميلاً وغنياً؛ لقد توقفت مطولاً بعد الانتهاء من الكتاب غير مدرك ما يمكنني قوله أو التعبير عنه حول هذا النص الضخم.

أعتقد وبشكل شبه مؤكد أنّ عمل مانغويل هذا، هو محاولة للتشابه مع السرديات التي صنعها أمبرتو إيكو في دراساته الثقافية حول عوالمه السيميائية، السردية، وتأريخ الثقافة من مناظير منوّعة، دينية، اجتماعية، سلطوية. مانغويل هنا كان يحاول أن يصنع مقاربة فكرية شبيهة بمقاربات إيكو، لكنها بتصوري كانت شبه فاشلة، ولا ترتقي إلى مستوى العمق المنهجي لدى إيكو.

كتاب يستعرض منظور تاريخي للقراءة، لكنه يعاني من نقاط ضعف كثيرة، أهمها هي الحشو المبالغ فيه في تشكيل حواريات لشخوص حقيقية قديمة، لا نعلم مقدار صحة ما تم قوله على ألسنها، أو حالات تنقّل بين العلوم والآداب والأركِيولوجيا بما يتوافق مع سرديات التخيّل الذاتي لِمانغويل، أو حالات من إغفال جوانب مهمة من التاريخ الإنساني للقراءة دون إفاضة أو تدقيق واضح فيه، والتركيز على منطقة ينتمي لها مانغويل ثقافياً باعتبارها التصدير الأهم لأفعال القراءة وهي أوروبا في زمن محدد.. الخ.

بغض النظر عن كل ذلك، هناك سؤال جوهري كان ينتابني في كل صفحة أثناء القراءة: ما هي الإفادة الحقيقية لهذا الكتاب، بعيداً عن فكرة المتعة التي لم يحققها أصلاً؟. 

هناك حقيقة أو شيء يقارب الحقيقة لدى الكثيرين ممن يمارسون الثقافة كقرّاء ويتناوبون على إنشاء معايير ثقافية خاصة بهم، أنّ فعل القراءة لدى أي قارئ، ماضياً وحاضراً وحتى مستقبلاً، يقوم في الدرجة الأولى على القدرة في التجسيد والتخيّل النصي، إعادة اكتشاف تحليلي لما يتم إيراده كلغة في الكتب، حتى وإن كانت تلك الكتب خارج متطلبات الأدب وتقوم على أن تكون مجرد دراسات جامدة للتاريخ والسياسة والأديان والمجتمعات. 

إنها فعل اندماج الخيال مع النص لإنتاج معيار جديد للثقافة والوعي، فهل فعل كتاب مانغويل ذلك!.

مثلاً عندما نقرأ إلياذة هوميروس، فنحن لا نتعامل مع النص كشيء قائم بذاته فقط وله قيمة تاريخية، إنما نقوم بفعل التجسيد للنص، فيمكن أن ننفذه تصويرياً في الخيال على أنه نمط أدائي، مسرحي، شعري، حواري، ونعيد إنتاجه معرفياً بالنسبة إلى فترته التاريخية وقياسه الزمني على الواقع القائم، ونعيد إنتاجه نصياً بما يلائم التناص فيه مع المُتاح من المعرفة المعاصرة.

ببساطة هذه هي قيمة القراءة لدى أي قارئ داخل كتاب، وقيمة أي فعل قراءة لكتاب مع وعي أي قارئ. إنه التجسيد البلاغي للنصوص وإعادة اكتشاف القيم من خلال إخضاعه للتحليل، كشيء يمكن توثيقه. 

فأي كتاب لا يحقق هذه المعادلة بتصوري هو كتاب نمطي، قد يكون جيداً بالعام، لكنه غير مفيد، وبالأخص عندما يتم تقديمه على أنه كتاب تاريخ القراءة. 

عندما يتم تقديم كتاب على أنه نموذج للتأريخ القرائي كفعل إنتاجي وليس نقلي أو سردي ضمن خصوصية الذات الراوية (مانغويلية) ويستعرض بطريقة ما أشكال بداية القراءة بشكل شبه إقحام، مثل اللحظة التي تحدث فيها عن اكتشاف تل براك السوري، ويحاول أن يصنع نوع من التواصلية لإثبات شيء لا قيمة له في مجمل السردية عن القراءة، فحينها يجب الوقوف كثيراً إزاء الفكرة التي يحاول مانغويل صنعها، وهذه الآلية تكررت لاحقاً في كل الكتاب.. عمليات الحديث عن آلية عمل العقل وطريقة تناوله للقراءة ثم سرديات التاريخ الفاطمي مثلاً وابن الهيثم، ودمج العصور الوسطى مع التنوير والتنبؤات والتكهّن كأشياء تتداخل بين الواقعي والسحري، وإدراج السياسة كمفهوم وتجسيد تاريخي لها من خلال أحداث في أزمان منوّعة لإيصال أفكار مؤدلجة خاصة بـ مانغويل إزاء العالم الخارجي.. الخ، جميعها عبارة عن محاولة لفرض إيقاع من الحشو التراكُمي والهائل لمعلومات ضخمة يمكن في عصرنا الرقمي الحصول عليها من أي دراسة تفصيلية أكثر من أن تكون في كتاب، ويبتعد مانغويل عن الهدف الرئيسي لتأريخ القراءة كمساهمة في إعادة إنتاج هذا الفعل ويتوقف عند لحظة الاستعراض التي بتصوري لم تساهم بأي شيء،  ويُكشف جلياً على أنّ الكتاب سرد مُتخيّل بطريقة ذاتية من الكاتب وليس موثق، فيصبح عليه كل ما قيل ضرب من هراء مضاعف. 

الكتاب يعيش في نزعة حالِمة لمُماثلة تأرِيخية للفكر الذي مارسه منهَجيو وفلاسفة الأدب المعاصرين، لكن سرديات مانغويل لم ترتقي إلى هذا المعيار؛ إنه نموذج من الحشو الاستعراضي الضخم وغير المثمر والذي لا يترك أي مجال لإعادة إنتاج كل ما قيل أو الاستفادة منه، وأنا على ثقة بأنّ كل ما تم قوله في صفحات هذا الكتاب لن يبقى منها شيء في عقل أي قارئ أعجبه الكتاب إلى درجة الهذيان، لأنّ معادلة الإضرار بالوعي بسيطة وواضحة جداً: “إن كنت تريد تحقيق شيء وهمي لدى الآخر في فكرة فارغة، فاملأه بكل شيء يمكن أن تقع يدك عليه“.

إنها فعلياً النموذج الأعلى لكل الأنظمة السلطوية التي ترعى التدمير المفهومَاتي عند المرءْ، وهو ما يتعارض مع كل ما سرده مانغويل حول آرائه المؤدلجة تجاه مفاهيم السلطات والسياسات، بأنّ تفريغ الناس من محتواهم يقوم على إبعادهم عن القراءة، لكن الواقع أثبت كلياً العكس؛ إنّ الأنظمة التي تفرّغ الناس من الوعي، فإنها تحشو البشر بالقراءة، لكن القراءة الممنهجة وليست القراءة الحرّة؛ إنّ عملية إحالة مانغويل الشمولية عن المنظومة السياسية بإبعاد الناس عن القراءة، قد أتت كشيء أيديولوجي تكفيري عن ذنب إزاء معنى التبرئة لوعي البشر من طريقة فهمهم الخاطئة عن فعل القراءة. 

والدليل الأكبر هو أنّ القارئ يندرج، يتماهى مع أي شيء يتحدث عن الكتب حتى لو كان فعلاً سخيفاً، إنها عملية تدجين الوعي ضمن آلية تثاقف معينة، بطريقة أبسط إنها خط إنتاج داخل معمل يريد فهم موحد للثقافة والأفعال الثقافية، وهي قوة المنظومة السياسية التي تتفاعل فيها إزاء الإنسان، فنقد مانغويل ضمن الكتاب عن إبعاد الناس عن القراءة هو محض افتراض ساذج ذو نزعة سياسية غير مفهومة كثيراً.

بالإضافة أنّ كل من تم استعراضهم من قِبل مانغويل وكانوا فاعلين حقيقين ومؤثرين في التاريخ الإنساني لم يقرؤوا خمسة بالمئة من كل الكتب التي قرأها مانغويل واستعرَضها في كتابه، ولم يعلموا أصلاً كل التاريخ والحوارات التي قد جلبها من قصص تاريخية لا نعلم مقدار صحتها، وهل هي حصلت أم لأ، ومع ذلك فهم أناس أنجزوا معرفياً لأنهم تعاملوا مع القراءة كفعل لإعادة الإنتاج المعرفي والتخيلي والتجسيد الأدائي.

ما قام به مانغويل في كتابه هو ما تقوم به كل السياسات في دول العالم فعلياً، دون أن يترك أو يسمح للآخرين بإعادة إنتاج معرفي لتاريخ القراءة الذي هو أصلاً تاريخ ذاتي ولا ينضوي تحت أي بند من بنود المعرفة الصادقة.

كتاب سردي قد يكون مسلي رغم أنه ممل من كثرة الحشو، ولا فائدة تُرتجى منه على مستوى أي شخص هو قارئ في الأساس ولديه حصيلة جيدة من القراءة الأخرى. قد يكون جيداً لأناس يبدأون القراءة لكن ليس لأناس قرأوا ما يجعلهم يتجاوزون كل معطيات مانغويل الشبه تاريخية التي حاولت الارتقاء إلى منهجية فلسفية فأنتجت سرد ساذج من المعلومات مع دمج لسيرة ذاتية.