أمير الذباب.. الشر وجوهره الخيّر في الفطرة الإنسانية

بعد أن أنهيت قراءة “أمير الذباب” للبريطاني “وليام جولدينغ” انتابني ذلك السؤال حول طبيعة القراءة النقدية والتأويلية في العالم التي تناولت الرواية ودلالاتها الرمزية من ناحية سياسية.

تقريباً كل الدراسات النقدية والبحثية التي تناولت العمل، ركّزت على المرمّزات، والتي بتصوري حاولت إعطاء دلالة ذات أبعاد تخدم السردية النقدية وليست السردية الأدبية؛ هناك قراءة شاملة وتقليدية ومتراكمة في العقل القرائي الجمعي حول هذا العمل، إن كان نقدياً وإن كان شعبياً.

فمثلاً القوقعة ترمز إلى السلطة العليا، أو هي صوت الشعب، وهي أولى الأشياء التي حاول جاك التخلص منها ليتفرّد في الحكم “بحسب القراءات النقدية”. أو مثلاً شخصية رالف، المؤمن بالقانون والتنظيم والأخلاق، وهو الذي تم اختياره بشكل ديمقراطي. أو جاك المرمّز لحب السيطرة والهمجية.. الخ.

كل شخوص العمل، وهم من المراهقين الذين تمت نجاتهم على جزيرة نائية، قد تم تحميلهم أبعاد ذات دلالات إسقاط سياسي بحسب الرؤى في السرديات النقدية، وربما ذلك التحميل يعود في الأصل للشعور الشوفيني الذي كان طاغياً على جميع المراهقين في الجزيرة، وربما لأنه قد تم استبعادهم بشكل قسري عن أرضهم – بريطانياً – نتيجة الحرب التي سردها جولدينغ في عمله لتفسير وجود المراهقين على الجزيرة.

عملية التكيّف مع ظروف غريبة عن الإنسان المدني، في حالة إيجاد نفسه في مكان نائي، تم افتراضه كتكيّف سياسي مباشرة وبناء منظومة اجتماعية، وإن كان هذا الكلام بالنسبة لـ جولدينغ مقبولاً نسبياً، لكن لا أعتقد أنه جوهر العمل الروائي؛ لماذا البحث عن أي تكيف في نص أدبي لا يذهب إلا ضمن مضماره السياسي؟ من هو المستفيد فعلياً لتخديم النصوص الأدبية وتحميلها السياسية؟ أوَ ليست هذه القراءات النقدية هي من تفرض واقع الفهم الجمعي في الثقافية القرائية الاجتماعية والشعبية؟

بنية “أمير الذباب” تقوم على معيار ثقافي له علاقة جوهرية بفكرة الطبيعة البشرية “الكائنية المُدرِكة لذاتها فلسفياً” الكاره للتنظيم، بالنزوع لعدم الثبات، والتنويع الغريزي لفكرة البقاء من خلال الشر كأفعال ثقافية ومدركة فلسفياً باعتبارها لا تخضع للتنظيم المفروض كبنية درامية في المدينة المتحضّرة، فنحن نعيش مذهبية مكانية نائية على الجزيرة، فالطبيعي أن تكون السردية بنائية من ناحية البقاء على غريزيتها الفطرية الشريرة، ومناهضة التنظيم المقونن الذي يخدم هيكلية السلطة التي ستُبنى عن طريق رالف ومناهضة جاك له.

إذاً العملية هي مناهضة للحفاظ على طبيعية الكائن في المكان البدائي وليست نقداً سلطوياً ودلالات سياسية ترميزية، إنها الطبيعة التدميرية التي تريد الخلاص من فكرة الخضوع المُستحدث. بهذا المعنى أعتقد بنى جولدينغ عالمه، وليس في مذهبيته السياسية كما أرادتها السردية النقدية العالمية؛ بتصوري جولدينغ لم يتقصّد كل ذلك التأويل السياسي الذي فعّلته النقديات.

لقد تم تفسير ذلك الصراع باعتباره تأويلياً بين قيمة سياسية تصارعية يمينية ويسارية، أو حتى أحياناً بين فكرة النظام والانضباط وبين الهمجية؛ لكن ما يحيرني فعلياً، لماذا العقل الثقافي لا يريد التفسير إلا ضمن هذه الرؤية! وهل فعلياً هذه الرؤية هي الوحيدة في المدلول الرمزي المطروح؟

منذ أن بدأ جولدينغ بطرح الشخصيات على السردية تباعاً، قدّم لنا مباشرة طبيعة الشخصية الرئيسية وهي رالف، كشخص ذو بنية جيدة، وسيم، متحدث، كاريزماتي من ذلك النوع الإغريقي الأصيل، باعتباره المفضل الإلهي. لكن أليس هذا التوصيف – الذي طرحه جولدينغ، كي نتعاطف معه وندعمه في مشروعه الإنساني المستحدث – هو جوهر السيد المعظّم الأبدي! وخاصة أنّ الجزيرة هي بنية مكانية لا يمكن اعتماد كل فترة شخص فيها لإدارة المشروع السلطوي كما قرأته النقدية الأدبية.

الصحة، الوسامة، الكاريزما، التأثير في الآخرين.. ألا يتذكر القارئ في تلك التوصيفات أحداً في الحياة؟! أليس من السخف أن يدفعنا جولدينغ للتعاطف مع شخص بتلك المواصفات؟ بل أليس من العمالة!

والغريب أنّ القراءات العالمية النقدية والشعبية تعتبر العمل عظيماً، وجميعهم مناهضون للاعدالة، ويفسرون المناهضة أدبياً في تحمليها لشخصية جاك المرفوض، والتنعّم تعاطفياً مع رالف الكاريزماتي المتسيّد، دون أن يدركوا أبعاد وعمق الشخصية.

إن كان العمل يحمل بعض الأبعاد السياسية، فذلك لأنّ فكرة الفلسفة المجردة في الحياة تحمل مفهوماً تصارعياً، والسياسة بطبيعتها تصارعية كإحالة للمجرد الفلسفي بين فكرة الجيد والسيء، أو الخيّر والشرير، فعملياً لا يمكن تفسير الترميز كحالة سياسية لهذا النزوع، بل إن هذا النزوع هو تفسير تأويلي للعقل المضطهد اجتماعياً ومعاصراً دون أن يكون هو حقيقة النص الأدبي.

“أمير الذباب” تم تفسيرها سياسياً لأنّ هناك من أراد تفسيرها بهذا الشكل على حساب مفهوم الإنسان المستعد لرفض الانتماء المتجسد في جاك، ورالف هو نموذج للثابت الجامد غير المستنير في اكتشاف نفسه كما فعل جاك؛ الفرق كبير في فهم شخصية جاك، فلم يكن هدف جاك السلطة، بل المناهضة، كي لا تتكرر مأساة بريطانياً المدمّرة على الجزيرة، لقد أراد جاك بنية إنسانية فطرية وغير خاضعة لقانون سوى قانون الوعي البشري.

ما قدّمه جولدينغ لإقناع القارئ بضرورة التعاطف مع شخصية رالف الذي حاول أن يخلق بنية تنظيمية شبيهة بالعنصر التنظيمي البريطاني، هو إبقاء الحيز المعرفي في بنية هيكلية واحدة، ليس بالنسبة لشخوص العمل فقط، بل حتى بالنسبة لوعي القارئ المتكرر في كل فهم لهذا العمل، أن يكون فهماً تعاطفياً لضرورة التنظيم ضد الفطرة البشرية التابعة لطبيعة المكان كجزيرة، والتي من المفترض أن تكون أكثر حرية في المناهضة.

بالنسبة لي جولدينغ يمثّل الخضوع السياسي وإقناع القارئ بهذا الخضوع، من خلال مناهضة الشخوص الرافضة للتنظيم كجاك وإحلاله في بوتقة مفهوماتية شريرة، وتأتي السرديات النقدية والقراءات الثقافية الاجتماعية لترسيخ هذه الصورة القطيعية ثقافياً في الفهم.

العمل يمتلك تقنية سردية غير مقعدة وبسيطة جداً، وهذه تحسب له، لكن لا يمكن غفران مثل تلك التعقيدات التي بدأها جولدينغ في الترميز السياسي غير المقصود والذي رسخته النقديات وحولته إلى مقصود كلي.

هذا عمل بتصوري لا يستحق نوبل لأنه لا يخدم إلا وعي معين ومضمّن لسياق له هدف، ولا أقصد هنا فقط الجانب السياسي الذي قرأته النقدية وحاولت تأويله بهذا المضمار، بل لا يستحق لوعي جولدينغ نفسه، الوعي القاصر في فهم العالم بانّ البحث عن حلول الحياة تتم من خلال الأقل سوءً كسلطة سياسية في مناهضة المناهض الباحث عن حرية طبيعية.

جولدينغ في هذا العمل قد أخذ دور الطابور الخامس كلياً، وما الاحتفاء بهكذا عمل إلا من خلال القراءة المطروحة في الوعي الثقافي العام.

القراءات النقدية وتسيسها، دمّرت الجانب الوحيد الإنساني ثقافياً في هذا العمل وهو فكرة الفطرة البشرية وإمكانية ظهورها حتى في كائنات كالأطفال، حالة الشر المتمكّن كشيء طبيعي دون انتماءه للسلطة ومشروعها، من خلال عدم الإلتزام ليكون خيّراً، فالبنية التنظيمية لا تقوم على فعل الخير، بل توهيم الوعي الجمعي على أنّ الشر الفطري هو مناهض للتنظيمية الخيّرة التي لا تقوم إلا على بناء تدميري للخير المتجسد في عمق الشر الطبيعي.

حالة ضعف الثقافة لا تنقذ الوعي البسيط الذي يبحث عن مخرج له ليستمر إلا بالقانون الممنهج، وهو يتعارض كلياً من سردية جاك، التي وصفها النقد في مشهدية رأس الخنزير المعلق كتدليل على الشر والهمجية، لكنها في العمق تدليل على مناهضة العودة للانتماء إلى المدنية التي تحمي الوعي الهش الذي كان متجسداً أصلاً في شخصية رالف.

وربما سردية الرواية بأسرها توضح هذا المعنى، فالأطفال على الجزيرة هم ضحايا التنظيم الخيّر الذي كان في البناء المدني، وما فعله جاك إلا محاولة للحفاظ على الخير الذي هو جوهر الشر، وكي لا تُعاد بنية التنظّيم الخير كهيكل في جوهره الشرير الذي يعيد تدمير نفسه كل فترة وأخرى من خلال الحروب.

جوهر الشر هو الخير (مثاله جاك الرافض للتنظيم) وجوهر الخير هو الشر (ومثاله التنظيم الذي يعيد تدمير في حروب جانبية).

هذه الفكرة الأخيرة لم يتقصدها جولدينغ بالتأكيد، لكن لا يمكن فهمها إلا بهذه الطريقة، وللأسف النقديات السياسية في القراءات لا تستطيع قراءة الجانب الشخوصي التفصيلي، مشكلة القراءة النقدية أنها قراءة قطيعية مثل القراءة الاجتماعية، ما يهمها هو افتراضات ثقافية عامة.

التصنيف: 1.5 من أصل 5.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.