صوفيّة العشّاق الفامبيرية 2014 Only Lovers Left Alive.. الحب الأزلي والخلود الممل

كل ما يمكن أن يُقال في هذه التحفة السينمائية الخالدة، هو قاصر فعلياً، ولن يفيه حقه، وكل ما سيُقال هو جانب شخصي جداً إزاء هذه العبقرية الفيلمية التي يعرضها المبدع جيم غارموش كعادته؛ في سينما غارموش هناك دائماً مشهد فارغ لا يحدث فيه شيء بالمعنى المُدرك ذهنياً، لكن مع ذلك يملأ مشاعرنا الإنسانية بطريقة مفجعة، كأنها طلقة من أوكسجين تصيب عمق الحياة؛ سينما غارموش تُطلق رصاصة الماء لتنعش ما سقط من الذات.

من يتابع أفلام غارموش يعلم تماماً معنى الشخصنة والشعور بأنّ الفيلم مصنوع خصيصاً لك كعاطفة منغلقة على نفسها، إنه لك ولا شيء آخر يستحق أن تشاركه تلك اللحظة الحميمية التي تعيشها في عمق أفلامه، وكأنّ هذا الرجل بكل ملامحه الاستهتارية، أو شخصه الكوول Cool، لا يهتم بأي شيء حرفي سوى تصوراته فقط، والتي قد لا تلائم تصورات كثير من متابعي السينما في العالم، عشّاق غارموش يعلمون تماماً لماذا يعشقون أفلامه؛ إنها ببساطة الاستغناء المريح عن العالم؛ أن تنتمي إلى المكان الآخر من الوجود.

هذا الفيلم من المفضلات لديّ، ليست فقط السينمائية، إنما من المفضلات الجمالية والحياتية والشعورية التي رافقتني وترافقني دائماً، إنه واحد من الأشياء التي لا أستطيع الاستغناء عنها، إنه التحفة الهادئة والفلسفية، الموسيقية، الأدائية، الصمت، العبقرية، كل شيء ممتزج بطريقة تجعلني مسحور بهذا الفيلم. لا أعلم حقيقة عدد المرات التي شاهدته فيها، ربما ثلاثين، خمسين مرة، لكن كلما شعرت بحاجة لتعديل مزاجي والعيش تجربة خاصة وبعيدة عن الواقع، فبالتأكيد ليس هناك سوى “وحدهم العشّاق بقيوا أحياء”.

غارموش وليد هوليود، لكنه يعيش في حاضنة خاصة لا تشبه تلك السينما إطلاقاً، وربما هذه الفرادة الفلسفية والمستقلة في أفلامه والبعيدة عن التشابه الصوري والعروض التقليدية لمفاهيم السينما الأمريكية، هي من تجعله على قائمة المغضوب عليهم في عالم الإنتاج المالي.

كل أفلام غارموش هي إنتاج مستقل، ولذا نشاهد الهوس بصناعة الغريب والمختلف والجميل بطريقة أكثر من رائعة.

هذا الفيلم عبارة عن قصة مصاصي دماء – فامبيرز – لكن بالتأكيد ليست بالصورة الأمريكية كما تحدثنا، إنهم فامبيرز، أحدهما يعيش في داخل أحياء طنجة المغربية، الممتزجة بين روح الدين المسالم والثقافة الشعبية الإسلامية، والآخر يعيش في ديترويت، وتحكي قصة رجل، آدم بتجسيد الرائع توم هيلدستون، وزوجته، إيف بشخصية المذهلة والمفضلة لديّ دائماً تيلدا سوينستون، وحضور خاص لجون هارت بتجسيده لشخصية مارلو، المسرحي الإنكليزي الشهير.

طبعاً الشخوص هم عبارة عن فامبيرز بسطاء وكانوا يرافقون كل مرحلة تطورية للإنسان منذ البدء، فأدم وزوجته إيف، هما من عاشا مع الجميع، وهما بسردية غارموش كانا كل الشخوص المشهورة في التاريخ التي حاولت كل فترة وأخرى صناعة عالم مسالم، لكنهما في النهاية فشلا الفشل الذريع، وتمت سيطرة طبيعة حياة لم تعد تناسبهما في هذا العالم، وهو ما دعاهما للانعزال. تحاول إيف إعادة إحياء آدم من عالمه المنغلق، ليعيش تجربة فلسفية ورحلة لن تتكرر في الاكشتاف والعشق.

قصة الفيلم بسيطة لكن جمالية التصوير والسرد والحوارات، خلقت منه شيئاً استثنائياً ولن يتكرر في تاريخ السينما العالمية؛ وطبعاً الفامبيرية ليست جوهر الفيلم أو مركزيته، لكنها نقطة الانطلاق لاكتشاف الصبغة الإنسانية بكل قيمها من صداقة رقيقة ومستمرة على مدار التاريخ، والعشق الأبدي بكل ما صادفاه من سقوط وانتكاس معرفي وثقافي وحضور بشري حقيقي.

شخوص مهتمة بالعلوم والموسيقى والفنون والآداب، لكنه عالم من العشق المنغلق، إنه فيلم نشعره شخصياً تماماً، مثلما يمكن لأي أحد أن يعيش لحظة من العشق لا يعلمها سوى العاشقين فقط، تلك الخصوصية المطلقة هي ما يمكن رؤيته والشعور به عميقاً خلال السرد؛ يعلمنا غارموش معنى الخاص السينمائي أمام الانفتاح الكلي في السينما الخارجية، وبالأخص أنّ غارموش خلق في هذا الفيلم ليس فقط ميثولوجي للفامبيرز، بل عمل على إعطاء أنثربولوجي فامبيرزي رائع، وكالتشر عميق لا يشبه أحداً ولن يشبه أحداً إطلاقاً.

عالم هذا الفيلم عبارة عن رحلة صوفية صاخبة جداً رغم كل ما يتسم به من هدوء استعراضي، صخب انتشائي أشبه بأوفر دوز من الدراجز الذي يمكن العيش في عالميته من الروحيّة المطلقة، إحساس وكأنك تقف أمام عالم مهجور مفتوح الذراعين داخل ليل فارغ وصامت وهادئ، تعشق السقوط فيه أو إيجاده فعلياً، شعور بالرهبة والخوف من فكرة إعادة اكتشاف العشيق الغامض والمُنتظر، الذي نعيش حيواتنا ثم فجأة نشاهده لأول مرة، شعور من ذلك النوع القاتل والأبدي. أو لحظة الإحساس الديني العميق والذاتي بكل تفصيلاته الرائعة والبعيدة عن حروبه التافهة، إنه روحيّة للذات فقط دون أي أفكار سوى الثقافة والحب.

وحدهم العشاق، لن يكون فيلماً غارموشياً، إن لم يطرح سؤالاً واحداً على الأقل بمنحاه الوجودي، وذلك السؤال: “ما الذي نعيش من أجله؟” والجواب هو في رحلة آدم وإيف خلال تاريخهما الأبدي من العشق وصمودهما خلال هجرتهما التاريخية المتنقّلة زمانياً ومكانياً، والمعاناة للحصول على المثالية التي لن يصلا إليها ولن تنتهي بهما.

هذا الفيلم محمّل بالكثير من الأشياء التي يمكن الحديث عنها فعلياً، كل لقطة وكل حوار وكل جملة وكل مقطوعة موسيقية وكل حضور أدائي وكل لون.. إنه الإذهال المطلق لمعنى السينما الشخصية التي تُصنع لنا، ولنا فقط بشكل ذاتي، لنعيش المعنى الفلسفي لفكرة الحب الأزلي والخلود الممل.

Download Film

Download Soundtrack

التصنيف: 5 من أصل 5.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.