ثرثرة في الأربعين.. حول تجارب المُتاح والبحث عن الروح المثالية

أنا لا أنتمي للأجيال الرقمية بالمعنى المتعارف عليه في وقتنا هذا، أو حتى إذا أردت بطريقة ما، أن أقدّم نفسي بارتباط لجيل رقمي، فيمكن القول بأني من الجيل الأول الذي انتشر في الشرق الأوسط، وبالتأكيد لست من الجيل الأول في العالم المتقدّم، عندما لم يكن متوفراً سوى الغوغل والمنتديات واليوتيوب والفيس بوك، كبدايات وكمفهوم رقمي افتراضي وتسكعي لثقافة التبادل المعلوماتي، لكن على المستوى المعرفي والتجريبي الحياتي فأنا أقرب للكلاسيك منه للحداثة الرقمية.

يمكن اختزال الموضوع بأني من ذلك الجيل الذي كان يذهب سيراً على الأقدام (كنوع من الرياضة والتسكّع) ما يعادل 10 كيلومتر لمشاهدة فيلم سينمائي أو الحصول على مجلة فصليّة من كشك مختص ببيع الكتب، أو شراء كتاب من مكتبة لي معها ارتباط روحي أكثر من مكتبات أخرى، والعوالم الافتراضية بالنسبة لي كانت تحصيل حاصل، أو تمضية بعض الوقت من الشعور بالملل، وعليه فإن تجربتي مع الحياة وطريقة فهمي لمُتعِها وتشكيلها وثقافتها وصراعها تختلف كلياً عن المراحل اللاحقة لي.

هذه المقدمة البسيطة هي حول ما أريد الحديث عنه في تجربة المتاح والبحث عن الروح المثالية.

قبل عشرين عاماً، أو ربع قرن تقريباً، كنت أتخيّل لحظة دخولي الأربعين أشبه بنهاية الحياة، أو إطلاق مخيّلة العد التنازلي. كنت أنظر لهذه الفترة العمرية على أنها الفترة العجوز، وبطريقة ما، كنت أرى عمق الثقافة والفتوة والعشق والحياة والمغامرة وقوة الجنس تكمن في العشرينيات، وعليه كنت مستعداً في تلك الفترة للانغماس والحصول على كل شيء لأنّ الأربعين ستكون مرحلة النهاية؛ كنت حينها شغوفاً بامتلاك كل شيء، بدخول كل مغامرة ممكنة إلى درجة أني لم أكن أفكّر حينها سوى بما أشعره من متعة التجربة، دون أن أفهم كلياً بأني لم أكن إلا عبارة عن الكائن المُتاح.

متاح اتجاه أي شيء، وكل شخص، وأي فكرة، لا أرفض أي شيء، لا أرفض نقاشاً، لا أرفض مغامرة، لا أرفض طعاماً، لا أرفض سفراً، لا أرفض أي سلوك غريب أو مجنون، لا أرفض حباً، لا أرفض تسكعاً، لا أرفض أي فتاة، لا أرفض القراءة، لا أرفض الموسيقى، لا أرفض السينما، لا أرفض شرب القهوة، لا أرفض المشروبات المسكرة، لا أرفض التدخين، لا أرفض أي لذة متاحة في الجنس، كل شيء قوي، صاخب، صارخ، عنيف، غاضب، ممتع، ساخر، مضحك، مدمر ثقافياً للآخرين، يجب تمزيقه والدخول فيه إلى أقصى حد.، إدراك ساذج لسر امتلاك الحياة، والتي لم أكن لأدرك سخافتها إلا بعد زمن طويل، بغض النظر عن متعة التجارب تلك.

باختصار كنت كائناً يعيش في عمق التجربة دون تفكير إلى أي مدى سأكون عليه بعد عشرين عاماً.

أيام قليلة تفصلني عن السادس عشر من مارس، أيام قليلة تفصلني عن الدخول في الأربعين. استقبل سني الأربعين هادئاً، متزناً، وأكثر حكمة رافضة للواقع. فليست الحكمة بكل تأكيد الخضوع لمفاهيم المجتمع أو السلطة بأشكالها، إنما تجريدها دائماً وأبداً كما نجرّد الذات للوصول إلى تلك النقطة المثالية الروحية واكتشاف جمالها.

استقبل نفسي في الأربعين وبطريقة خاصة في الثرثرة الذاتية، وربما كانت من أجمل الطرق التي أعايد بها نفسي، بالانعزال الكلي والتفكير الذاتي. إنها طريقة رؤية ما أنا وإلى أين وماذا أنجزت في هذا العقل. وبطريقة ما باحثاً عن روح مثالية لوجودي بعيداً عن كل تجارب الماضي التي شكّلت إدراكي.

ما مرّ عليّ من تجارب سابقة شكّل هويتي الوجودية، لكنه بالمقابل استهلك من روحي الشيء الكثير؛ أمر متعِب أن يكون الإنسان متاحاً دائماً، وربما لن يشعر بالتعب الروحي سوى في مرحلة متقدمة أكثر، عندما يكون قادراً على الثرثرة الذاتية بهدوء، لكن في الجهة الأخرى أفكّر.. لو كنت حينها مثالياً، ولم أخضع لكل المُتاح الحياتي في تلك الفترة، ولو امتكلت سر الإدراك العميق لضرورة الانتقاء والمثالية، ولم أجرّب كل ذلك، فلن أكون ما أنا عليه اليوم، لن أفكّر بما أفكّر به الآن. لكل تجربة ضريبتها الكبرى.

أحياناً نشعر بالندم إزاء أشياء لم نكن نرغب بفعلها بذلك التهوّر والعمق، لكنها بطريقة أخرى هي ضرورة لفهم أبعاد – ليست الحياة فقط – بل ما يشكلها في العمق الفلسفي داخل ذواتنا، وعليه تصبح فكرة الشعور بالندم أشبه بالتمني الأخلاقي لكنه غير المفيد والذي قد يخلق انتكاس فكري في العلاقات البشرية.

منذ سبع سنوات توقفت فعلياً عن فكرة أن أكون متاحاً لأي شيء أو لأي أحد؛ لم تعد تشغلني مشاعر وأفكار التجربة في صورتها القديمة، طبعاً هذا لا يعني بأني تخليّت عن التجربة والعيش في عمقها، بل أضحيت أكثر إتزاناً في فهم أبعادها، وإدراك أنّ التجربة كي نفهمها بشكل أعمق يجب أن تنبع من الذات وتصبّ في الذات أولاً وأخيراً. فالتجربة ليست لمراكمة الخبرة الاجتماعية وتناقلها المتواتر لدى الناس، بل لنراكم الترفّع المعرفي والإنساني بصورة الذات الفردية في فهم حقيقة الواقع واحترام خصوصية الإنسان أمام قوة وسلطة المغوليّة المجتمعية وعدم الخضوع لها.

منذ فترة أشهر، تعرّضت لوضع صحي سيء، مما جعلني أتوقف عن التدخين – وأنا بطبعي مدمن نيكوتين حقيقي – في النتيجة تجاوزت الأمر، وعادت إليّ صحتي كما كانت، وكان بالإمكان أن أعود للتبغ الذي أعشق، لكني اتخذت قراراً بعدم العودة؛ طبعاً عدم العودة لا دخل له بأي سبب صحي، المسألة بالنسبة لي أضحت فهماً مختلفاً بأني قادر على ألا أكون متاحاً لشيء أمارسه.

أن أكون على مسافة كافية من أي شيء لفهم أبعاد ذلك الشيء وفهم الذات دون دخول في العمق؛ إنها أشبه بأن تقف على شاطئ البحر وتراقب الماء دون أن تبتلّ به؛ كل البشر يذهبون ليكونوا جزءً من حركة المياه، لكن لتفهم عمق الماء وفلسفة البحر يجب عليك أن تكون على مبعدة منه؛ إنها فلسفة ألا تكون متاحاً. الانتقائية في عملية بحثها عن الروح المثالية أصبحت الهدف الذاتي لي وأنا أدخل الأربعين.

ربما لو لم أكن متاحاً في بداياتي لربما أضحيت متاحاً في مرحلة متأخرة؛ إن إحساسي بالاكتفاء في سنواتي السابقة هو ما أوصلني إلى أن أنظر للمسافة البعيدة والموحدة عن كل مفاهيم الواقع وسلوكياته؛ إنها النظرة الجديدة كلياً عن كل شيء. أشعر أحياناً أني اكتفيت من الاندماج في التجربة، صيغة التجربة الماضية وهي الاندفاع المُتاح وعدم الرفض.

منذ فترة اتخذت قراراً بخوض تجربة مختلفة وهادئة، وأخبرت بعض أصدقائي بها، حتى أنهم بدأوا يطلقون بعض التسميات المتفكّهة عليّ كـ الزاهد العدمي؛ والموضوع ببساطة هو محاولة فهم العمق الذي يعيش به بعض البشر، وهم يمضون سنوات في نوع واحد من الطعام، لذا فقد ابتدأت في العيش على الماء والأرز المسلوق فقط؛ بالتأكيد لن استمر للأبد في هذه التجربة، لكني أريد فعلياً فهم طبائع هذا العالم. كيف يمكن أن تتخلى عن كل شيء وهو ملك لك؛ الإحساس مذهل وأكثر عمقاً مما قد يراه البعض.

المسألة ليست إحساساً بفقراء العالم، وليست انتماءً ايديولوجياً مثلما يريد البعض تسميتها في الاندماج الإلهي أو آخرين ما يسمّونها الاندماج الإنساني، رغم أنها فكرة جيدة وإنسانية، لكن الأهم هو فهم كيف تتشكل أفكارنا وبأي صورة نخلق الأيديولوجيا التبريرية لنكون عبارة عن سفلة ندافع عن أي فكرة تحت اسم مصدر الكينونة الوجودية لمرجعيتنا.

عندما تعيش على نوع واحد من الطعام وتتذوقه يومياً دون أي إضافات تدرك مستوى الوضاعة البشرية التي تحمل الأفكار، وتدرك بطريقة أبعد من الروحانية والعقلانية مساوئ الوضاعة الإنسانية في تفلسفها الأجوف، عن العدالة والحق والخير والقانون والحضارة والمدنيّة والعالم المتطوّر.

بغض النظر عن كل ذلك، لكن الخِيار التجريبي بفعل الأمر بكل هذا الهدوء والإدراك الذاتي والعقلانية والابتعاد الاجتماعي الواعي، بدأ يخلق في روحي تصوّر أكثر انسيابية عن منع نفسي عن المُتاح كلذة واقعية، شعور كامل بالتحكّم بالفكرة الناتجة عن الوعي المادي وتحويله في معمل الذهن إلى شيء آخر من إنتاج روحي دون انغماس في الميتافيزقيا والتفكير الغيبي.. إنها تجربة أشبه بعقلانية الروح الإنسانية ومنطقية الإله الملحد بذاته.

بصورة أبسط، أن لا أكون متاحاً لوفرة الطعام، أن لا أكون متاحاً لكل شيء موجود حولي، أن أحافظ على المسافة الإدراكية لكل فعل دون انغماس فيه وراء مسمّى التجربة كفعل عشوائي.

طبعاً هذا لا يُلغي أني فلسفياً أميل إلى العدميّة كمعنى للوجود وعشوائيته، لكن لا أعتقد أنّ العدميّة تتعارض مطلقاً من المُتخيّل الروحي والإنساني لفلسفة الواقع، أو السعي لإدراك كينونة الأفكار وعوامل اختلاق تفلسفها وتبريراتها.

عندما نستطيع أن نتخذ التجربة بكامل الوعي، دون الاندفاع فيها بلا تفكير، حينها نصبح في مكان آخر من النقد المعرفي للذات ولأفكار العالم المتحجّرة، أن نكون أكثر إنسيابية في رغباتنا وسلوكياتنا دون تجاوز لحقائق العالم أو تفسيرها بطريقة خاطئة أو ممارستها تحت اسم التجربة الحرّة.

في وقت ما من حياتي، مارست الماريجوانا فقط، وطبعاً لم أمارس الكيماويات لأني لا أحب سوى الأشياء الطبيعية، بطريقة ما أنتمي سلوكياً ومعرفياً للطبيعة حتى لو تعارض مع مفهوم التجربة، لأنّ التجربة بالنسبة لي هي فهم حقيقة الإنسان الطبيعية قبل أن يُنشئ عوالمه الحضارية، لذا فممارسي الكيماويات أعتبرهم حمقى، ومحاولة تفلسفهم حول مفهوم التجربة هو ليس أكثر من تبرير لإدمانهم الحياتي وليس الفيزيائي. التجربة يجب أن تكون في حيز الطبيعة وأي تجاوز فيها وإدخالها في حيّز التمدن يجعلها في موقع سلبي على الذات.

بالمختصر، جميع أصدقائي مارسوا الكيماويات، وجزء كبير منهم ما زال يمارسها لليوم، وتبريراتهم هي ليست أكثر من ما تحدثت حوله من تفلسف أحمق عن التجربة؛ طبعاً رفضي للكيماوي ليس فقط للأسباب السابقة كانتماء للطبيعة، بل بدرجة ثانية هو سبب معرفي وفلسفي، وهو أني لم أرغب أن أفلسف المُتاح وهو لا يؤدي سوى إلى إخضاع. لأنّ الأمر ببساطة، هو أني سأبقى ممارساً للدراجز تحت اسم التجربة، وأي فترة لن أكون قادراً على الحصول عليه، ستكون أشبه بشخص مُجبر على تركه إلى أن يمتلك المال للحصول عليه مرة ثانية، وهنا سأعيش تجربة المتاح التي أرفضها أصلاً، وما تبرير الابتعاد إلا شبيه بتبرير اختلاف التجربة التي ليست سوى إدمان للسلوك وليس أكثر من ذلك.

الفرق بين المُتاح كتجربة وبين اختيار التجربة، كبير جداً، ليس فقط على مستوى التجربة التراكمية نفسها، بل على مستوى إدراك الذات نفسها.

ما وددت قوله باختصار هو أني عندما أخليت نفسي عن المُتاح منذ سبع سنوات بعد تجربة عشرين عاماً من المُتاح حول كل شيء، بدأت أعي بعمق شكل العالم والذات بطريقة أخرى، وبدأت أعي ما أريد رغم إدراكي لعدمية الوجود وعشوائيته، لكن هذا الوعي الذاتي وتطوره الروحي البعيد عن الميتافيزيق لم يتعارض مطلقاً مع فلسفتي العدميّة أبداً كما كنت أتخيلها، بل هو الداعم المعرفي لانتشال الذات (العامة والخاصة) من بؤسها وحيرتها التي تخلق كل ممكنات الإيمان بأي شيء.

المشكلة بأنّ المُتاح ضريبته كبرى، واللامُتاح ضريبته كبرى أيضاً، ومثالية الروح إن نشأت قبل أن نجرّب الحياة بكل جنونها ضريبتها جهل أكبر لأنها لن تعرف ما يمكن لها أن تعرف عندما تنغمس في التفاصيل. وتأخير البحث عن الروح المثالية يخلق في مستقبلها ألماً من نوع آخر بضريبة كبرى.

حقيقة على أبواب الأربعين أدرك كم أنا لا أعرف، ربما هذه ميزة أن تكون في الأربعين، هو أنك فعلياً لا تعرف أي شيء من كل ما تعلمته وراكمته من خبرات؛ لا تعرف أي شيء سوى أنّ تصوّرك في العشرين عن العمر المُضاعَف، ليس سوى هراء.

في الأربعين ستبدأ لتتعلّم المعرفة والحياة والحب والجنس والثقافة والمرأة والجمال. ستبدأ لتجد الروح ويصبح المُتاح بإرادتك من الذكريات.

1 Comment

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.