لسان يقتل المعظّم في الوليمة الفارغة.. نسل الإمبراطور يُكمل سردية المعظّم الأول القتيل في مائدة الأشلاء

المدة المقدّرة لقراءة التدوينة 8.30 د

إكمال للسردية القديمة “العشاء الأخير للديكتاتور.. مائدة الأشلاء تُبجّل المُعظّم قتيلاً”، وقد تم اعتماد هذه السردية النثرية بعد قراءة قصة الصديقة أمونيا “رجل الحامية 12” المنشورة في مدونتها الشخصية، والتي ساهمت قصتها القصيرة بجعلي أفكّر مرة أخرى لإنشاء سردية ثانية للنص الأول بعد انقطاع طويل، فالشكر لأمونيا.

(1)

فتح الوزير الموقّر ذراعيه على اتساعهما، وأحنى نصف جسده العلوي إلى الأسفل، ثانياً ركبته اليمنى ومُرجِعاً ساقه اليسرى نحو الخلف، ومفسحاً المجال للإمبراطور كي يعبر بردائه الملكيّ المصنوع من زغب أكساس سبعمائة ألف عذراء قبل نكحهنّ.

عبر المبجّل البلاط المرمري بحذائه الذي خاطه إسكافي الإمبراطور الأعور، مستخدماً في صناعته أشفار فروج مئة وخمسين امرأة عاقر، ومزيّن بأهداب خمسمائة قارئ متوحّد، على جوانبه. سار حتى أعتلى نهاية البلاط، ثم أقعى مؤخرته على عرشٍ مبني من سلاميّات فلاسفة دولته، وأشاح بيده اليسرى لوزيره، دليل ضجر وتعب مؤرّق من ممارسة مهام الملوك المُتعِبِ، أن تُجهّز الوليمة بأسرع ما يمكن، فأحنى الوزير رأسه ثم صفّق بيديه مرتين ليُدخِل الحُرّاس، الثمانية والعشرين شخصاً، أولئك الثمانية والعشرون الذين قد جلبهم آخر الحكماء العجائز في دولة الإمبراطور، بعد أن غضب الأخير في آخر الليل منذ أشهر حيث كان يعيش على ولائم تراث العائلة، فنهض صارخاً في مملكته عن شيء أكثر إمتاعاً في صناعة وليمته.

تقدّم الحكيم العجوز من مليكه – قبل هذا الحدث الذي يُسرَدُ بأشهر – وكانت الساعة تجاوز الثانية ليلاً في ذلك الصيف، منحنياً أمام الإمبراطور بردائه المخملي، ومتفوّهاً بصوت واهن عميق بالرؤى الذاهلة: “ما يؤرق الملك المبجّل!”.

سار الإمبراطور في القاعات الفسيحة على البحيرات الليلية المضاءة بالفرَاش الإندونيسي متفوهاً بغضب وصوت أعلى من المعتاد: “لقد سئمت أيها الشيخ هذه الولائم المتوارثة منذ زمن أبي – الملك الشهيد بالسلاّميّة؛ لقد سئمت ذلك الطعام، لم أعد أريد تكرار الانتقام نفسه، أريد ما هو أكثر ابتكاراً، أريد ما هو أكثر إمتاعاً من حساء شعيرات المُقل الدموية لأربعة آلاف مُبصر، وما هو ألذّ من خصيان ستمائة رضيع، مسلوقة بماء الزنجبيل والنعنع البريّ، وما هو أكثر روعة من مائتي زوج من الأقدام المحمّصة في رمل الصحراء، وأطيب من ربلات مئة وخمسين امرأة مؤمنة لم يعرفن الخطيئة، مُقلّاة بالبصل الملكيّ والليمون المُجفف، وما هو أشهى من حُلمات أثداء ألفي عاهرة مطبوخة مع الفطر الفرنسي وماء الورد، وأكثر استساغاً من سلطة أعضاء ذكرية لثلاثمائة عجوز مقطعة ومتبلة بالفلفل الأحمر والكمّون الأصفر وزيت النخاع الشوكي، وأزكى من رائحة جلود مائتين وخمسين طفلاً، مُحمّرة بدهون البدناء، ومزينة بلعاب الذكور الجاف في نهاية الشهوات، وأكثر ثمالة من برميل عصائر سيالات الأدمغة البشرية لخمسمائة حكيم لاهوتي، وأمتع من فروجُ ثلاثمائة وخمسين بتولاً، مُتبّلة بالأقحوان والزعفران، مشوية على نار القيامة.. جد أيها الحكيم وليمة أخرى وإلا فلن أحتاج لحكماء في إمبراطوريتي بعد الآن”.

ألتفت المبجّل ناحية العجوز بغضب، ورمقه بنظرة منتظراً قولاً للحكيم، فسار العجوز خطوتين منحنياً ومتفوهاً بصوته العميق: “إني أقدّر رغبة التجديد لديك يا مولاي، وأفهم يقيناً ما تعانيه من أزمة الرغبات الخلاصية من العبء الذي حُمِّلت إياه على كاهلك وفاء للإمبراطور العظيم، وسأرى ما أستطيع من إيحاء لتوفير ما تريد من اختلاف في الولائم”.

ساد الصمت ما بعد منتصف الليل، ثم تفوّه الحكيم مجدداً: “ما رأيك يا مولاي بأن يصبح طعامك هو السؤال الذي تسأله لشخص يتحدث بلسان الآخرين، نأتيك بثمانية وعشرين شخصاً تبدأ أسماؤهم بالأحرف الأبجدية ويختارون واحداً منهم ليُجيب عن سؤالك، فإن أقنعك جوابه، عفيت عنهم، وإن لم يقنعك جوابه، قدّموا لك ما يؤلمهم لتلتهمهم جميعاً، وهكذا لن يكون هناك انتقام من قِبلك ولا حقد من قِبلهم، وتكون قد صنعت لهم الشورى بينهم، ليجدوا الإجابة المثلى، سيكون صراع للبقاء إما الذكاء والنجاة، وإما الغباء والموت. هكذا يا مولاي يقدّمون أنفسهم لخسارتهم وليس دون إرادتهم”.

أعجبت فكرة الحكيم العجوز، الإمبراطور، فعزم على تنفيذها؛ ولأشهر طوال كان الناس يُجلبون كل يوم ثمانية وعشرون بثمانية وعشرين تباعاً، فيسألهم الإمبراطور عن أول كناريّ اُصطيد بواسطة باشق، وما هو اسم أول إنسان انتحر، أو ما طعم الموت، وما لون الفراغ. كان الإمبراطور شغوفاً بتلك الأحجية التي جعلت منه مكافحاً لنيل وليمته، أن يشعر بالنصر فيقدّم البشر له ما يؤلمهم، قلوبهم، وعقولهم، حتى ذلك اليوم الذي وقفت فيه فتاة أمامه بعد الهزيمة، محاولة أن تُصيب ذكائه بمقتل، منتظراً منها تقديم ما يؤلمها، فتقدّمت منه صامتة، ثم تفوّهت: “ما يؤلمني هو مشاعري المحطّمة، فهل لديك طريقة لأقدّمها لك يا مولاي!”.

حينها ابتلع كتلة شهوتها داخل فمه، فأطلقت كل إحساسها المحطّم صراخاً مُنهكاً في جوفه، فغرز أسنانه العاجيّة في عمق شبقها ممزقاً إياه، ورامياً جثّتها المنتفضة بكل دمائها المنسدلة بين فخذيها، لتُسلّم إلى موتها الحتمي. لم يكن الإمبراطور يُخدع بتلك السهولة، لم ينجُ منها أحد، الجميع كانوا يقدّمون آلامهم ليُريجوا بؤسهم في حضور الجلالة الإمبراطورية، لا أحد امتلك فصاحة اللسان.

(2)

في ذلك المساء حيث الإمبراطور يُشيح بيده دليل ضجر، وينتظر الثمانية والعشرين الداخلين عليه، حيث أشار لهم بالجلوس فجلسوا، وأشار مرة ثانية بيده لأحدهم أن يتحدّث بلسان الجميع، فنهض شاب داكن مثل ليل، ولعينيه بريق مثل قمر أصفر يذوي وراء سحب الخريف، فسأله الإمبراطور: “أخبرني أيها الفتى، ما الجياد؟، وما الخيول؟، وما الحصان؟، وما الفرس؟، وما المهر؟”.

أحنى الفتى رأسه بعض الوقت صامتاً، ثم رفع رأسه مجيباً: “الجياد، فرسان وشت بهم السنين في ردهة انتظار الأسطورة؛ أما الخيول، مكائد زوجات الأبطال في قصاصات الورق؛ أما الحصان، زوج الحنين، يرنّم إيقاع أغنية بحافر البرق على نافذة الغيم؛ أما الفرس، زوجة صهباء للريح تكره فكاهة النشيد؛ والمِهر، صهيل شهوة الجلد في الليلك”.

انتفض الإمبراطور من صاعقة ألمّت به، محاولاً الابتسام ومتزناً: “أحسنت القول أيها الفتى، أخبرني إذاً.. ما الغيب؟ وما الغناء؟ وما السماء؟ وما الدخان؟ وما الصباح؟ وما الليل؟ وما الأنجم؟”.

تنفّس الفتى هواءً عميقاً، مستجمعاً إدراكه: “أما الغيب يا سيدي، مأزق إلهي في البنفسج وخوف من تثاؤب الوحي؛ أما الغناء، رقصة الروح في فسحة ضلال اللاهوت؛ والسماء، عدو من الأزرق لا ينتهي ولا يُخترق؛ والدخان، هواء ثانٍ واعتراف بالخطيئة؛ أما الصباح، نهاية حب على حواف السرير وضيق في الخُطى؛ أما الليل، رداء إله لإخفاء شهوته بالماء، وتسكُّع ملائكة في المدن العتيقة؛ أما الأنجم، رمل في صحراء الله ونمش في جسد الأنثى”.

أطلق الإمبراطور زعيقاً من عمق رئتيه، ملتفتاً إلى الحكيم العجوز محدقاً به قبل أن يُعاود النظر في وجه الفتى: “أحسنت فيما قلت يا فتى، لقد أثرت فضولي، إن أقنعتني بجوابك أطلقت سراحك مع هؤلاء الصامتين بجانبك، أخبرني إذاً، ما التين؟”.

حدّق الفتى في وجه الإمبراطور متفكّراً قبل أن يُطلق لسانه في الجواب النهائي: “هو أولى المقدسات في أجساد العذارى”.

ودون انتظار أطلق سؤالاً آخر كمن يهيم على وجهه في المعرفة: “وما المعجم؟”.

استنشق الفتى هواء: “آلام لغة الجسد، باب الخاصرة، فصل الكبد”.

“وما معجمي؟”.

ساد صمت طويل وعينا الفتى ألتمعت ببريق حزين وهو يحدّق في وجه الإمبراطور التائه من وصوله إلى تلك اللحظة الأثيرة لاكتشاف الذات: “الملوك لا معاجم لهم يا مولاي، الملوك لا معاجم لهم سوى الفراغ”.

استرخى الإمبراطور في عرشه صامتاً ومحدقاً في الوجوه التي كانت تحاول فهم ألمه الذي بدأ يظهر فجأة على تفاصيل جبينه، متمتماً ومدركاً عمق ما قيل، وأشار بيده للثمانية والعشرين أن ينصرفوا. خرج الجميع وفرغت القاعة إلا من الإمبراطور وعرشه، فإخذ بالتهام معجمه المحيط به حتى آخر رمق من البقاء، فمات من تخمة الفراغ.

فكرة واحدة على ”لسان يقتل المعظّم في الوليمة الفارغة.. نسل الإمبراطور يُكمل سردية المعظّم الأول القتيل في مائدة الأشلاء

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.