ألعاب مرحة، نسختان لسردية واحدة تحطّم الأمان العاطفي للوجود البشري

ما هو الشيء الذي يمكن شرحه في هذه التحفة السينمائية التي أنتجها المخرج الألماني مايكل هانكه Michael Haneke!. هل يمكن لنا اختصارها إلى حكاية فقط؟ هل يمكن الحديث عن السردية التقليدية للعرض؟.

هذا الفيلم بتصوري أبعد بكثير من الحديث عنه بطريقة اعتيادية، يكفي أن يشعر المشاهد أثناء الأحداث أن هناك شيء في داخله يتمزق بهدوء شديد ويجعل المتلقي يختنق بكمية الغضب الهادئ الذي لا يمكن معه أن ينفجر أو يخرج إلى الفضاء.

فيلم بكل هدوء يقامر على شرح نظرية العنف السينمائي بطريقة جديدة، ويشرح لنا كمشاهدين بأسلوب سردي بسيط كم أصبحنا جزءً من اللعبة السينمائية التجارية التي حولتنا إلى كائنات نستسيغ العنف التقليدي في السينما وكيف أضحت عقولنا مبرمجة على تناول تلك الجرعة العنفية في الأفلام وكأنها جزء طبيعي من الحياة، من خلال إعادة تعريف العنف الذي استعرضه هانكه بكل هدوء ودون دماء ودون أي عنف كما يمكن أن نفهمه في السينما الأخرى.

فيلم فضاظة ووحشية لشخصين ساديين يستمتعان بلعبة الموت على عائلة في مصيف. هذا تقريباً كل شيء يمكن الحديث به عن الفيلم، لكن ما يحتويه أعمق بكثير من السردية، إنه يقوم على نزعة الأداء الإنساني (الشرير والخيّر) بأسلوب تراجيدي وتهكمي متقلب، إنه يقوم على تهديد الوجود الحقيقي للبشر من خلال التلاعب على الأمن العاطفي الذي لا نشعر فيه بتهديدنا في الأفلام الأخرى.

في رؤيا هانكه نحن عرايا كلياً أمام لعبة سادية، يستطيع بذكاء كشف خفقات قلوبنا وتشريح إحساسنا الإنساني الموجع عندما نتابع الفيلم. إنه من نوع الأفلام الاستفزازية لكل ما هو خيّر في ذواتنا، ويمكن أنّ النقطة الجوهرية التي لعب عليها المخرج تمثّلت في الأمل المتذبذب حتى آخر لحظة.

الفيلم في مضمونه تجسيد لرؤيا هانكه الفلسفية التي تقول: “ليست المشكلة كيف أظهر العنف، بل المشكلة كيف أُظهر للمُشاهد موقفه من العنف وأصوّره له كاملاً ليدركه في عمقه الإنساني”. في هذا الفيلم استطاع هانكه بقوة تجسيد هذه الرؤية؛ إنها تصوير فني يمثّل تحدياً أخلاقياً للجميع، وهو عمل متطور جداً من السادية السينمائية، إنه يقوم على فلسفة المعاناة أو بالقط الذي يلاعب فأراً ينتظر موته بكل هدوء ومُجبر على اللعب مع القط، هي لعبة لتأخير الموت مُجبراً من خلال تهديد ما يمثّل القيمة الذي يعيش الإنسان من أجلها؛ فلا أحد يريد ان يموت روحياً قبل الموت الفيزيائي.

لعبة هانكه السادية، هي مؤلمة إلى أقصى حد دون عنف أو دماء أو رعب، لكنها تُحترم كتجربة سينمائية لأنها توضح مدى هشاشة ذواتنا التي اعتادت كل شيء بما فيه الموت التقليدي والعنف المبتذل والحب الذي لا معنى له.

فيلم يقوم على عناصر فلسفية محترمة ولو أنّ السردية قاتلة لذوي المشاعر المرهفة، لكنه تجربة تستحق المتابعة.

حول النسختين، قام هانكه بإصدار أول نسخة ألمانية نمساوية عام 1997، وأعاد إصدار الفيلم مرة أخرى في أمريكا عام 2007، لأنّ ثقافة المجتمع الأمريكي بالعام لا وجود فيها لشيء يُسمى سينما خارج أمريكا، إنهم لا يعترفون سوى بهوليود، لذا اضطّر هانكه لعمل النسخة الثانية، وبعد شهرتها في أمريكا بدأ النقاد يلتفتون للنسخة النمساوية التي صدرت قبل عشرة أعوام.

بالنسبة لي، الفيلمين مميزين، لكني أميل للنسخة النمساوية لصورتها الواقعية أكثر من ناحية التصوير وحتى الصدق في التعبير والأداء الذي كان مميزاً جداً من الممثل النمساوي آرنو فريش Arno Frisch على حساب النسخة الأمريكية التي أبدع فيها أيضاً الممثل مايكل بيت Michael Pitt. لكن مشكلة التصوير الأمريكي دائماً هي قدرته على خلق مبالغة لدرجة يُخرجك من واقعية الفيلم، والتي هي ميزة في السينما الأوروبية تلك الحياة الواقعية التي نشعرها لساعة ونصف، رغم أن السردية في الفيلمين واحدة من حيث البداية والحوارات والنهاية والمعالجة ككل، حتى استقدام الموسيقى الكلاسيكية الافتتاحية، والتي هي فقط الموسيقى الوحيدة خلال العرض.

وربما ما جعل هذا الفيلم بنسختيه مميزاً هو قدرته على صناعة الألم دون موسيقى تصويرية مرافقة، فلا وجود لموسيقى كما في الأفلام الآخرى أو مؤثرات سمعية تؤثر على اتخاذنا مواقف من الصورة بالخطر أو الحنق أو العضب أو الفرح والذي تلعبه الموسيقى على المشاهد في السينما؛ هنا لا شيء سوى أداء وصورة هادئة وسادية مفعمة في الحوار وشعور الجميع بالعجز من هذا الفيلم القاتل ببرودة أعصاب للمشاهدين.

الفيلم واحد من المفضلات السينمائية لديّ، يمتلك الذكاء والإبداع بشكل منقطع النظير.. التجسيد العبقري للمقولة الخالدة:

“فاني جيميز، بريك ذا رولز”

DOWNLOAD FILM 2 (2007 USA)

التصنيف: 4 من أصل 5.

DOWNLOAD FILM 1 (1997 Austria)

التصنيف: 4.5 من أصل 5.