الديكتاتورية كثقافة يومية.. التعاون والاتكال الاجتماعي

لم يعد مصطلح ديكتاتورية يشمل فقط معناه الأكاديمي السياسي أو تجسيده السلوكي في طريقة حكم معين، إنما اتجه كلياً إلى مجموعة من الأشكال الإنسانية التي تُمارس يومياً تحت مسمّى شكل العالم الحالي، الفرز الاجتماعي، الثقافة الليبرالية، الذكاء والتطور.

مثلاً لا يمكن فهم امرأة في مستوى اقتصادي معين، تخرج من منزلها وتتقبل نفسياً أن تذهب إلى مكان لتجمّل أصابع قدميها، أو ما يُطلق عليه اسم الـ “بودي كير”؛ كيف يمكن لشخص أن يقبل بأن يمد رجليه ليقوم شخص آخر – بحاجة للعمل والمال – بتنظيف قدميّ ذلك الشخص الذي يظن بنفسه أنه مميز وأكثر ثراء أو أكثر أنوثة، أليست هذه المرأة هي أسوأ من أسوأ من أسوأ ديكتاتور قد مرّ على هذا الكوكب؟. والمشكلة الأعمق أن تلك المرأة تتعامل مع الأمر على أنه حقيقة مسلّم بها.

وهنا لا أتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، إني أعي كلياً أن الفوارق الاقتصادية والاجتماعية هي أمر واقع ولن يتغير، لكني أتحدث عن تلك الثقافة البلهاء التي يقبل فيها شخص حتى وإن كان يعتبر نفسه مميزاً، رغم أنه أخرق لا مميز فيه سوى ما يظنه بنفسه، كيف يقبل على نفسه أن يمارس مثل ذلك السلوك الرديء في حق إنسان آخر.

أن تقبل بأن ينظّف لك قدميك شخص آخر – حتى وإن تم اعتبار الموضوع عملاً – فهذه بحد ذاتها وضاعة ثقافية وفكرية في داخلك وتدلل على مستوى وعيك المساوي للصفر تماماً، إنه الغباء والجهل بأبهى حلة عزيزي وعزيزتي الكيوت. حالة من الشعور بالتفوّق والتحكّم بمصير البشر واستغلال حاجاتهم وعواطفهم بشكل غير مباشر كلياً، إنه إحساس ضمني بالتميّز على حاجة الإنسان الآخر تماماً مثل شعور الديكتاتور عندما يتعامل مع شعبه على أنّ مهمتهم هي خدمته الجليلة.

طبعاً مثال الـ “بودي كير” هو جزء من مجموعة أخرى وكثيرة من سلوكيات الديكتاتورية غير الواعية الموجودة في ثقافة شعوب العالم الذي نعيشه اليوم.

إنه نموذج للاستيلاب الطوعي؛ فأن يقوم آخر بخدمتك لشيء تستطيع أنت أن تقوم به بنفسك، ليس فقط استغلال للآخر إنما هو تعامل اتجاه نفسك أنك كائن هش ومريض روحياً، وهنا نتحدث عن سلوك عام وليس العلاقات التي تقوم على التبادل في المساعدة عندما يحتاج أحد المساعدة فعلياً، كشخص كسيح أو عاجز أو مصاب بشلل، فهذه أمور أخرى.

النقطة الأساسية التي تطورت في وعي البشر حول هذا الأمر في الخلط بين المساعدة والاتكال الكلي الذي يتضخم ليتحول إلى استغلال وديكتاتورية غير واعية، هي ناتجة عن مفاهيم العلاقات التشاركية أو التعاون بين الناس التي طُرحت في النظريات الاشتراكية.

إن عملية فرض التعاون بين البشر من خلال بعض السلطات ذات التوجه الفكري والسياسي والفلسفي أو حتى بعض التشريعات ذات المعنى الديني التي تقوم على هذه التشاركية الاجتماعية، خلقت لدى البشر بأسرهم حالة من الاتكالية وراء مسمّى الاختيار البشري؛ وهذه الاتكالية قد تصل إلى مستوى الديكتاتورية النفسية الذاتية إن كان الآخر ضعيفاً قليلاً، أو يعيش حالة احتياج اقتصادي أو معرفي أو جنسي.. الخ، كما في مثال المرأة التي تجمّل أصابع قدميها لدى فتاة بحاجة للعمل؛ أو رجل لأنه قوّام دينياً، ويتخذ من التشريع فعل الإمتاع في الكائن الأضعف دينياً، أن يقوم بالتسلّط الذكوري وتحويل المرأة إلى كيان خادم لحضوره. أو أنثى تمارس فعل الإغواء لاستغلال اقتصادي، بطريقة أو أخرى جميع هذه الأشياء هي سلوكيات تفوقيّة موصومة بالبُعد الديكتاتوري، وهي قطعاً صفات وسلوكيات نتاج بشري بحت، وليست سلوكيات طبيعية.

لقد أضحى السلوك الديكتاتوري ثقافة يومية قائمة رغم ما يتوضح أنه غير موجود من خلال حرية العلاقات وآليات الاختيار، وفي أحسن الأحوال يمكن لشخص شعر بأن آخر يمارس نوع من الديكتاتورية اتجاهه أن يرحل دون عودة، لكن هذا الخيار ليس سوى نبذ غير مباشر من القطيع الاجتماعي رغم أنه اختيار شخصي.

إننا أشخاص نتبجّح بالحرية والاحترام، لكن في الجوهر أشخاص قمعيون وعنيفون، يكفي أن تشعر بالإزعاج من أي نقد قد يوجه لك أو مخالفة لوجهة نظرك وتشغلك طويلاً بالتفكير، كي تعلم تماماً كيف أنك في العمق شخص يحمل ثقافته الديكتاتورية ويتبجّح بالرأي المغاير من الحريات.

5 Comments

  1. ارى ان اغلب هذه السلوكيات هي ما صدرته لنا وسائل الاعلام، وعينا ونحن نرى الأفلام والمسلسلات تطرح لنا افكار غريبة، لم نكن نتقبلها أبدا لو انها طرحت في ندوة او مؤتمر او اي شيء آخر لكننا مع الوقت والمداومة على الأفلام اصبحنا نتقبلها ونطالب بها.

    Liked by 1 person

    1. الإعلام يلعب دور جوهري في عصرنا بتحديد آليات الوعي الذي نعيشه، لكن هذه السلوكيات ليست مجرد رد فعل على شيء يُقال أو منهجية يتم تدريب البشر عليها لا إرادياً، إنها بالدرجة الأولى ثقافة اقتصادية وصناعية قديمة؛ إنها حالة وعي مرسّخ لدى شعوب الأرض وجميع المذاهب الفكرية والفلسفية والدينية التي اقنعت البشر بتفاوتهم الاجتماعي والاقتصادي وعليه تصبح هذه السلوكيات مبررة لدى الناس دون أي شعور بتفاهة ما يقومون به.
      المسألة مرتبطة بمفاهيم العدالة والمساواة والإخاء والتماثل وحتى مفهوم النديّة الفكرية والاجتماعية، لكن في وجود مثل هذه السلوكيات الثقافية المتدنّية، تسقط جميع المفاهيم السابقة رغم ما يتبجّح به الناس من حضورها وممارستها وحتى تطبيقها في بعض منهجيات الدول.

      Liked by 1 person

      1. كلام سليم، فعلا أتفق معك
        ذكرني كلامك بكتاب قرأته قبل مدة، وأكتب عنه مراجعة لم أنشرها بعد، وهو المجتمع الصناعي ومستقبله لـ تيد كازينسكي، قد يكون ما ذكره بالكتاب ليس جديدا عليك، بما ان ثقافتك في هذا المجال واسعة ما شاء الله، لكن أنصحك به

        Liked by 1 person

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.