عبور جمال شاحب

اللحظة المعاشة كثيراً ما تكون مُحدداً جمالياً للذات، وقد تعلو جداً لتصبح بنوبة من الهياج العاطفي المتكامل مع أشياء مرافقة شكلاً من وعي جديد لم نكن لنكتسبه لولا حراك مختلف.

كعادتي في كل يوم مسائي في الخريف، أخرج مسيراً وأنا أضع الهيدفون ومرتدياً ما يجعلني مرتاحاً في الحركة، لا شيء يصلني بالعالم الخارجي سوى عينيّ اللتين تراقبان الأشياء بصمت؛ لا شيء يمكن أن يخترق سمعي أو إحساسي المتفاعل مع ما أسمع، حالة انفصال كلي عن العالم الخارجي، وواسيس ديوب يتلو أغانيه الأفريقية بصخب في مسامعي.

عبرت الشوارع الإسفلتية بهدوء وبإيقاع حركة منتظم، ولون الأفق الداكن من زرقة كحليّة يلوح أمام بصري، عندما وقعت عينيّ على فتاة بشعر أسود مرفوع إلى الأعلى بعشوائية ووجه شاحب كبياض حليبيّ، وفيه عينين سوداوين لامعتين، باسمتين. كل شيء انتهى خلال ثانيتين، كانتا كافيتين للتنهّد عميقاً وإكمال المسير دون الإلتفات خلفاً؛ فما هو معنى أن تلتفت خلفاً وتراقب جمالاً عبرك! إن لحظة مروره واحفاظك به هو ميزة بقائه للأبد في مخيلتك دون أن يصبح هاجساً لشيء آخر. إنه احتفاظ بلحظة جمال مذهلة.

ثانيتين استطعت خلالهما أن استشعر رائحة جمال غريب جعلني ابتسم؛ أن نشتمّ الجمال فهو شيء نادر الحدوث فعلياً. جمال عذب خفيف كحركة هواء الخريف، لم يكن جمالاً حلواً تشتهيه لتُشبِع فيه رغبةً، ليس جمالاً رخامياً بارداً، وليس جمالاً دبقاً من شدة فتنته، بل جمال غريب من ذلك النوع الذي تريد أن تستنشقه لثوان ثم تدعه وشأنه يرحل في سبيله للأبد، جمال كأكسير يكفيك أن تشتمّه بسرعة ويدخل جوفك مع خريف. جمال خفيف كماء عندما يدخل الجسد.

مضيت في طريقي مبتسماً والموسيقى حركت روحي بشكل مضاعف عما كانت عليه قبل عبور تلك الشاحبة. مساء جميل يجعلك أكثر استعداداً للحياة.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.