حُطام نرسيس.. هشاشة الكائن في الحقيقة

المدة المقدّرة لقراءة التدوينة 19.30 د

(1)

الجميع ساهم بقتلي.

بهذه الكلمات الثلاث التي وُجِدت في جيب الضحية على قصاصة ورق صغيرة، كانت أن أُغلقت القضية، فلم يكن النقيب الجنائي مروان الطبّاع، المُلقّب في الأوساط الجنائية بالغليون، مستعداً للبحث كثيراً وراء قضية كانت من الوضوح أنها انتحار.

بعد تشريح الجثة في مركز الطب الشرعي، وصدور بيان الوفاة من الطبيب “سليم سبلّو” بأنه لا يوجد أي أثر للاعتداء أو المقاومة أو الضرب، وأنّ الضحية كانت سليمة تماماً في لحظة غرقها، استرخى الغليون وراء مكتبه متفوهاً بكلمات متقطعة هادئة ناحية اثنين من عناصره الجالسين أمام مكتبه، وهو يسحب من غليونه بعد أن ملأه بالتبغ البيروفي “ماباتشو Mapacho” ذو رائحة الكاكاو:

لا يمكن للجميع أن يقتلك بالمعنى الفيزيائي، مع ورود القتل السيكولوجي، لكن العدالة قاصرة على محاسبة المجتمع، وهذا بافتراض أن الضحية فعلاً كان ضحية مجتمع وليس توهيماً ذاتياً في دماغه.

بهذه البساطة تم إغلاق القضية ودفن الجثة دون مراسم عظيمة، فلم يكن للضحية معارف كُثر، لذا فقد خرجت في لحظة دفنه بعض الشخصيات التي لم تكن قريبة منه كثيراً؛ يمكن القول أنهم مقربون إلى درجة احترام الإنسان وتقدير موته أكثر منها فعلاً محبباً لشخصه. لم يبكه أحد، ولم يشعر السائرون في جنازة الضحية “نمير طكو” بالحزن كثيراً على رحيله، هو حزن يلائم طبيعة أن الإنسان يستحق الحياة ولو عاش بمفرده دون اختيار.

قبل انتحاره بعشرة أيام، انساحت دماغ “نعمان سخيطة” بكلمات مندفعة كطلقة في الفراغ صوب نمير طكو، مما جعل الأخير يقف مذهولاً تماماً أمام إحساسه وأفكاره العميقة التي طفت على السطح خلال كل تلك السنين:

تريد الحقيقة!. حسناً. لقد وصلتَ يا نمير إلى مرحلة لم تعد تستطيع تمييز الحقيقة، أو أنك لا تريد تصديق شيء سوى نفسك التي تخبرك بما تريد تصديقه. أتريد فعلاً أن يخبرك الآخرون بالصدق!. حسناً، دعني أخبرك بالصدق إذاً بلسان الجميع. الصدق هو أنه لم يتم اختيارك لتكون في حياة الآخرين، لم يخترك أحد لتدخل حياته، لقد فرضت نفسك على الجميع ومنذ زمن طويل، وما استمرارهم معك سوى لإحساسهم أنك شخص يستحق الحياة، لا لأنك مميز بشيء، بل لإيمانهم أن الإنسان يحق له أن يعيش مثل أي كائن آخر؛ إنهم بطريقة غير مباشرة يمارسون الشفقة غير المنطوقة اتجاهك، عمقك يعلم ذلك ولا تريد تصديق الأمر، تريد فرض نفسك كحالة حب ووجود على الجميع، ونفسك تخبرك وترسّخ أن الشفقة تلك هي حب عميق لشخصك. لا يا نمير، إنك مخطئ تماماً.

ما يُمنع منه المرء في نشوئه، يجازي عليه نفسه بالانحطاط المُدرك لاحقاً، يدركه عميقاً في روحه، لذا يرتديه في هيئة الثقة الكاملة، وتلك الثقة بالنسبة إليك قد حوّلتك إلى شخص لا يُحتمل. لا تريد تصديق أن البشر يمتلكون فرادة لا تمتلكها، إنهم مختلفون، ولا يشبهونك، ولا يشتركون معك بأي هوس أو فكرة أو حتى حس الدعابة التي تراها ملكك الشخصي والمتفرد بها، يمتلكون نوازعهم الغريبة التي تشعر من خلالها أنك الأكثر استحقاقاً للحياة منهم لأنهم لا يهتمون لشيء؛ لا تقبل ألا يكون جزء من هذا العالم بك، ولمجرد شعورك بحقيقتها فيهم، تعترضها بأسلوب تظنه ساخراً، تعترضه لشعورك العميق الواهم أنه يهدد وجودك، يدفع تاريخك الطفولي بأسره نحو السطح فيصيبك بالتشنج. تركض لاهثاً لمنع نفسك من الاعتراف بحقيقته في الواقع الذي تعيش به، روحك مليئة بنرجسية زائفة؛ متوهم أنّ البشر بأسرهم مكترثون لأمرك، لا، لا أحد يكترث لأي أحد، لكن الاختلاف بينك وبينهم، أنهم يعلمون ذلك ويعيشون مع تلك الحقيقة، لذا تراهم يحبون أنفسهم بأخطائها ولا يرفضونها، ولا يمتلكون مشكلة الاعتراف بها، دون رميها على الآخرين.

تحاول إثبات نفسك في كل شيء، وتحاول السخرية من كل شيء، ومن كل أحد يمتلك روحاً أكثر عفوية وبساطة في التعبير عن نفسها، وعندما تفشل في السخرية منها تبحث عن أسلوب آخر لإثبات فشلهم، دون أن ترى حقيقة ما أنت عليه؛ هل تظن حقاً بأنّ الآخرين لا يعلمون ذلك الأسلوب الوضيع الذي تتبعه في محاولة بث الكراهية تحت اسم النقد على كل أحد أمام كل أحد مختفياً في رداء النقد أحياناً والفكاهة أحياناً أخرى محاولاً التفريق بين من تعرفهم لتشعر بأنك المركز الذي يدور الجميع في هالتك المقدسة!.

رغبتك الدفينة بالشعور أنك الرابط بين الجميع، المشكلة العميقة هي أنك تعتبر نفسك الكائن الذي لن يتكرر في هذا العالم. لكن أتعلم! معك كل الحق، فمثلك لا يتكرر.

أتظن أني لا أعلم ما تقوله عني أمام “عبيد الأبرص”، أو ما تقوله عن عبيد أمام “عدي براغيد”، أو عن عدي أمام أي شخص آخر، وإلى اللانهاية من كل الذين تعرفهم والدائرة لا تنتهي من أسلوبك الطفولي الساذج؟ لستُ الوحيد الذي يعلم ذلك، الجميع يعلم، ويصمتون لأنهم لا يريدون إيذائك وأنت ما زلت مستمراً بكبريائك الزائف. ومع ذلك، فالجميع احترم وجودك وقبلوا بك في حياتهم دون إرادة منهم لأنهم يحترمون الحياة، لكنك تكره نفسك إلى درجة لا تتخيل أنّ الآخرين يمكن أن لا يشعروا بالحب اتجاهك، لا تستطيع التسليم بتلك الحقيقة المؤذية، ولو كان كبريائك أقل قليلاً لكانت الحياة تستمر ولن تسمع كل ما قيل، أنت من فرضت هذا القول عليك، قول الحقيقة التي تدركها روحك عميقاً ولا تريد تصديقها في رأسك. إنك بائس يا نمير، وحتى هذه اللحظة أشعر بالشفقة عليك، ولم أكن أريد قول ذلك، لأني أعلم جيداً ما ستشعره بعد رحيلك وحيداً.

كانت كلمات نعمان سخيطة تنطلق كرصاص لا يهداً في جسد نمير، وهو يصنع قهوة لكليهما، بينما نمير كان يستند إلى الجدار مشدوهاً، محاولاً موازنة جسده مع صور بدأت تصعد إلى دماغه من حياة قديمة عاشها. وضع نعمان القهوة في فنجانين وسار إلى الأريكة جالساً، محدقاً بوجه نمير المرتجف وعلامات البؤس تظهر على تفاصيله، فأكمل نعمان بهدوء:

تعال لنشرب القهوة؛ أنت أردت الصدق، وقد أخبرتك بالصدق، ومع ذلك فأني لا أحمل ضغينة اتجاهك، كل ما أردت قوله لك، أنك لا تحمل السبب الذي أنت عليه، لكن يجب أن تفهم بأنّ الحياة ليست ملكك الشخصي، وبأن البشر لديهم نوازع مختلفة عنك، ولا حق لديك في رؤيتك لهم بطريقتك إلا بشرط وحيد، ألا تعيش بينهم. بإمكانك أن تبقى بمفردك وتكرههم وتكره نفسك. هذا حقك في النهاية. لكن أن تعيش بين البشر واهماً نفسك أنك الاستثنائي والوحيد المتفوق الذي يفهم الأمور على حقيقتها، فهذا ضرب من البلاهة التافهة.

رفع سخيطة فنجان القهوة إلى شفاهه عندما مال ناحية الأرض بسرعة مدمياً، فقد كانت الضربة على مؤخرة رأسه قاتلة. لم يستطع نمير منع نفسه من الرد بسرعة على ما قيل، لقد شعر بخذلان الحياة التي يدركها في أعماقه، لم يكن يريد لصورته الدفينة أن تطفو نحو السطح.

(2)

بعد عشرة أيام، كتب نمير الكلمات الثلاث على قصاصة ورق، ووضعها في جيبه جيداً، وخرج ناحية النهر على حدود المدينة. ربط قدميه بحبل وفي نهايته ربطها بصخرة كبيرة لتسحبه نحو القاع. كان يسقط بتمهل في الماء، ويدخل رئتيه وهو يذوي متلاشياً بهدوء في تنفسه. لقد رمى نفسه في المكان الذي رمى فيه جثة نعمان سخيطة بعد قتله.

عندما مال نعمان ناحية الأرض مدمياً، وهدأت ثائرة نمير، وبدأت صورة الماضي تعود أدراجها إلى أعماقه لتختفي في الظلام الروحي، أدرك كارثة ما فعل، فاختلج جسده، وطفرت عينيه بالدموع؛ لم يكن قاتلاً ولم يفكر يوماً أن يقوم بذلك، ولا يمكن لأحد التشكيك به يوماً أن يتحول إلى ذلك الكيان المجرم، وهو الانسيابي في مشاعره الإنسانية رغم ما تظهر أحياناً لحظات الغرور بالنفس على الآخرين.

جلس إلى الأريكة متأملاً الدم المنساح من رأس نعمان، وشعر بضرورة تحقيق العدالة اتجاه نفسه، لكن فكرة انهزامه المحتملة في الاعتراف للقضاة عن سبب القتل، ستجعله يتلو كل ما حاول إخفائه طوال حياته، سيموت مرتين، الثانية في لحظة إعدامه، والأولى عندما يظهر جلياً أمام نفسه؛ سيشعر بانهيار كل كبريائه وهو يعترف للآخرين بأنّ دافعه للقتل، لأنّ شيئاً من الحقيقة قد أصاب قلبه.

مال ناحية نعمان، ممسكاً رأسه المدمية، ورفعها للأعلى قليلاً هامساً بصوت مرتجف وحزين:

لم يكن يجدر بك قول شيء، كان يكفي أن تصمت. الحقيقة قد جعلتك ميتاً وجعلتني قاتلاً.

أرخى الرأس من يده بتأنٍ، ثم نهض حاملاً الجثة ناحية النهر، مثقلاً السترة بأحجار ثم دفعها لتغرق تدريجياً وتختفي عن الأنظار.

خلال العشرة الأيام اللاحقة، حاول نمير أن يستعيد توازنه، وبدأ يحاول التواصل مع الآخرين الذين كانوا بالمقابل لا يكترثون لمحاولاته في الاتصال، وأحسّ أن هناك حقيقة واقعية وهي تجاهله؛ أدرك في تلك اللحظة أن الأحاديث التي تجري مع الآخرين كانت بفترات زمنية طويلة نسبياً، وبأن تواصلهم ليس سوى الأسباب التي أعلنها نعمان قبل موته في ذلك اليوم، إنها الشفقة المتأصلة في عدم ترك إنسان يعاني. كانوا يخصصون أوقاتهم له خلال بعض الزمن على حساب مُتعِهم العشوائية اتجاه الحياة، متع لا تهتم لأي شيء سوى حقيقة أن الإنسان كائن لا قيمة له في عالم لم يعد يملك أي قيمة فعلياً. استمرار مثل جميع الكائنات، وهو ما كان نمير يحاول إخفائه عن نفسه دائماً، باحثاً عن أي طريقة لجعل نفسه كياناً مهماً في عالم واهم.

إدراكه لذلك الأمر، دفعه طوعاً للانتحار، لأنّ حقيقة النرجسية الزائفة التي كانت في شخصه، قد تهشّمت في لحظة واحدة، لكن حتى في لحظة موته، رحل نرجسياً، فبالنسبة إليه قد مات لأنّ الجميع ساهم بقتله.

(3)

منذ أكثر من ربع قرن، عاش نمير في عالم غريب رغم واقعيته، كان منغلقاً على نفسه كلياً، إحساس بأنه جزء من مكان لا حياة فيه، منزل مهجور، لا شيء فيه سوى أشخاص يتحركون كأشباح غاضبين، تعلو جباههم عُقد الانتظام والقوانين الصارمة إزاء تربية أبنائهم؛ لا يمتلكون تقنية الضحك أو المزاح، وهو ما خلق من نمير ذلك الكيان الجاف كلياً دون قدرة على إطلاق دعابة تثير الضحك. لقد حاول جاهداً فيما بعد أن يتملّك روح المرح، لكن اكتساب شيء مثل تلك العفوية في الحياة لا تغيّر من الطبيعة التي نشأ عليها أو حتى من الجينات الوراثية لعائلته؛ فالمرح جزء من طبيعة تتوارث من جيل إلى جيل، إنها صفة لا تُكتسب أبداً.

لقد رفض نمير في وقت لاحق أي دعابة تصدر من الآخرين، كان يشعر في عمقه بأنها دعابات مثيرة للحياة، لكن شعوره بنقص تلك الصفة المرحة، كان يدعوه لرفضها وتسميتها بالساذجة، وبالمقابل كان جزء مما يقوله يثير الابتسام أحياناً ولا أكثر من ذلك؛ وما ضحك المحيطين به على ما يُقال لم يكن أكثر من تلك النزعة العميقة بالشفقة اتجاهه، بأنه كائن بشري يستحق الحياة، إنها نوع من المراءاة الإيجابية إزاء شخص لا ذنب له في ما كان عليه.

كانت عائلته غريبة جداً. تعيش على نمط موحد من الانغلاق.. استحمام منتظم، وجبات غذاء بمواقيت محددة لا تحيد، مواعيد نوم دقيقة، عقاب شديد لأي اتساخ في ملابس الأبناء، لا علاقات خارج رقابة أسرته. سنوات كثيرة مرّت بجدية خلقت منهم كيانات هامشية من حيث قدرتهم على ولوج الحياة بقوة، لكن نمير كان مسألة أخرى، كان متمرداً بطريقة قاسية على تلك الحياة، لكن تمرده في مراحل فتوته، لم تجعله شخصاً آخر.

كان مهووساً بالبحث عن علاقات جديدة مع الناس، يريد للجميع أن يعشقه، أن يحب فيه ما ليس فيه. كان يفرض نفسه على أي كيانات قبلت به أم لا. يريد تعلّم أي شيء ليثبت لنفسه قبل عائلته وقبل كل من عرفه بأنه يستحق الأفضل، وهو ما خلق منه لاحقاً ذلك الشخص المصاب بالغرور. كان يشعر ضمناً أن العالم يجب أن يدور في فلكه، كل الأحاديث يجب أن يكون حاضراً فيها بتجربة ما، أن يبدي رأياً في أي مسألة، أن يخلق لنفسه الأعذار الدائمة بأنه كائن متفوق وبأنّ ما هو عليه سببه تلك البيئة التي نشأ فيها، دون أن يعي بأن جميع المحيطين به عاشوا نفس تجربته بطريقة أو أخرى، ومع ذلك استمروا بمرح وهدوء وتأقلم وعدم اكتراث. لم يفهم نمير أن الحياة هي عبور لا قيمة له سوى أكبر قدر من المرح حتى دون أي انتظار لتقدير.

لقد كان كياناً جافاً مثل خبزٍ مرمي على قارعة الطريق لأيام، كان الجميع يرى ذلك، إلا نمير كان يرى نفسه ماءً يروي أي كيان عابر به، دون أن يفهم يوماً كيف لوجوده تلك الغصّة الناتجة عن قضم خبزٍ جاف.

ابتدأت تلك اللحظة بالقلق لديه ذات يوم حول مائدة الطعام؛ كان جالساً بهدوء يقضم خبزاً عندما نظر بزاوية عينه مبتسماً ناحية والدته المتجهمة دوماً، فاستشاطت غضباً وهي تزعق في وجهه:

لا تبتسم أثناء تناول الطعام؛ هكذا ينتشر الفُتات بين أسنانك فلا يُمضغ جيداً.

أرخى نمير وجهه وأكمل طعامه بصمت، لكن عقله الطفولي بدأ يطرح سؤالاً حول تبرير والدته لعدم ابتسامه:

ما الذي سيجري إن انتشر الفُتات ولم يُمضغ جيداً!.

لم يكن يمتلك الجرأة لسؤالها لما يعرفه عن حدة طباعها، وشرحها الثرثار الذي لن ينتهي لو قام بذلك، وبالمقابل كان كلامها يصيبه بالصداع، لم يحتمل أبداً خلال نشأته تلك الصفة القبيحة بأمه؛ لكن ذلك الموقف جعله يحمل في قلبه ضغينة أخذت تكبر تدريجياً اتجاه تلك الكيانات المنتظمة.

لم تكن تسمح لأبنائها بفعل شيء، أو بتجربة أي شيء؛ كانت تقوم بكل المهمات عنهم، وتحاول جاهدة الإثبات بأنها الكيان المضحي في سبيلهم. لقد كانت تلك النزعة في داخلها تثير أبنائها ضدها، وتجعل إحساسهم بكرهها يعلو، حتى وصلوا إلى مرحلة الانفجار عندما اشتدوا. في أحد الأيام، ونمير قد بلغ سناً من فتوته كان أن صرخ بوجه والدته بعد خلاف كبير، فرمى الكؤوس أرضاً محطماً إياها، ورحل خارج المنزل متسكعاً، ومنذ تلك اللحظة أصبح حراً، لكن حريته تلك لم تجعله أفضل.

(4)

بقي نمير على علاقة مع عائلته، لكن أغلب أوقاته كان يحاول تمضيتها خارج المنزل، يبحث من خلال كل شخص يتعرّف إليه جديداً، أن يتعرّف إلى أشخاص آخرين عن طريق ذلك الشخص، يحاول صناعة شبكة من العلاقات يكون ضمنها ذو تأثير وحضور دائم. كان يفرض نفسه على منازل الآخرين دون أن ينتبه لسلوك ذاك، كان يرى بتصرفاته عفوية الحياة التي يستحقها، وبالمقابل كان الآخرون يتعاملون مع الأمر على أنه شيء مؤقت، لكن ذلك التوقيت استمر للأبد، وأصبح نمير حقيقة في عوالم أشخاص لم يختاروه أبداً.

لم يكونوا يكرهونه، لكن في شخصه المتطفل على البشر نوع من إحساس بالبؤس كان يرتاد قلوبهم بين حين وآخر، لكنهم مع ذلك تعاملوا مع الأمر بأنّ الحياة تحتمل جانباً مظلماً، وبالأخص أنهم كانوا يمتلكون حيواتهم مع عائلاتهم وأعمالهم وأشغالهم، لكن نمير كان يجد في تلك العلاقات ما يستعيض عنها بؤس حياته الماضية، تجربة عائلته المقززة، يجد السلوان في آباء وأمهات الأشخاص الذين كانوا محيطين به.

لكن العطف عليه من قِبل الجميع، تفجّر ذات يوم بخطأ لفظي قاله في جلسة صيفية:

إنّ والدا عدي براغيد يحباني. إنهم يهتمون بي أكثر من اهتمامهم بعدي.

أثناء تلك الجملة التي انطلقت بعفوية غير محسوبة النتائج، جعلت جميع الحاضرين أن يتوجسوا مما يجري في دماغه، حتى أنّ عبيد الأبرص علّق على الأمر بعد ذهاب نمير:

هل جنّ نمير؟. أيعقل أنه مقتنع بما قال!. كيف يمكن أن يُقنِع نفسه بأن هناك والدين يستطيعان أن يحبا ويهتما لغريب أكثر من ابنهما؟.

مضى الأمر دون أن يتم ذكر الموضوع مرة ثانية، لكن التوجس الذي زُرِع في قلوب من يحيطون به بقي سارياً بمفعوله لوقت طويل؛ ومع إدراكهم العميق بأن معضلة نمير لا تُحلُّ بتلك السهولة، فكانوا يصمتون على أي فعل أو قول، إنه نوع من التعاطف العميق مع كيان يحاول النجاة بنفسه في عالم أشبعه بؤساً؛ لكن لا يمكن تبرئة المحيطين به من مساهمتهم بقتله لاحقاً. كان صمتهم ومراعاتهم لسلوكه يرسّخ في روح نمير تلك النزعة التفوقية على الجميع، لقد خلقت منه كياناً مؤذياً أحياناً في دعاباته المكتسبة، ونظرته بأنه الكائن المميز في هذا الوجود الذي خدعه قبح العالم الذي لم يكن يرى جماله الداخلي. لقد اقتنع نمير كلياً خلال حياته بأنه الوحيد الذي يرى ذلك الجمال الفاتن في روحه، وبأن البشر يستمدون حيواتهم من خلال وجوده.

حتى ذلك اليوم الذي جلس في منزل نعمان سخيطة وهو ينظر شذراً إليه متفوهاً:

إنّ وجودي في حيواتكم يا نعمان هو أكبر دليل لبقائكم أحياء حتى اليوم. لو لم أكن موجوداً لكان نصفكم منتحراً منذ زمن طويل. هل تستطيع الإنكار بأني قد جمعتكم في زمن كنتم فيه تختلفون!.

حينها نظر نعمان سخيطة في وجه نمير، متأملاً إياه عميقاً ومبتسماً:

لا أريد قول شيء. كلامك هذا نوع من التوهّم لا غير، لا أريد أن أقول أكثر من ذلك، لأن الحقيقة قد تقتل أحياناً.

حينها وقف نمير وسار ناحية الجدار بثقة متفوهاً:

بل أريدك أن تخبرني بالحقيقة. أخبرني الصدق الذي تراه إن كان ما قُلتُهُ ليس صدقاً.

نهض سخيطة ناحية مطبخه ليصنع قهوة لكليهما، وسرد على نمير مونولوجه الطويل حول حقيقة العالم وكيف ينظر إليه؛ في كل كلمة كان جزء من نمير يتهشّم تدريجياً، كانت صورة الماضي غير المباشر تعلو أمام عينيه وتزرع في روحه كرهاً لتلك الكلمات وقائلها. كان نمير يحاول الاتزان بقدر ما يستطيع لكن صدق سخيطة المبالغ به، حوله في لحظات إلى جثة مختفية في عمق المياه، بعد أن تحطّم نرسيس في روح نمير.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.