رحلة بوبوجيكانتيس التي جعلته يكتشف الله من جديد

عندما لا تعرف وتُسقِط التفسير على نفسك، سيكون هناك إله.

(1)

جلس بوبوجيكانتيس إلى الصخرة أمام شجرة فيرولا سورينامينسيز، مُخرِجاً نصله الصوانيّ الأصفر المشحوذ بواسطة الكلس ثم غرسه في التربة الجيرية وتغطيسه في المياه المشبعة بأملاح السيليكا، مُقطّعاً لحاء شجرة فيرولا، لتقطير مائها المهلوس، لأنه أراد أن يتصل بالأرواح التي ترشده لطريق الأمان.

كان كبار الرجال المتحلقين حوله يقفون مرتلين كلمات غير مفهومة، ومنتظرين الفيرولا لتنزّ ما يكفي للهلوسة والتحليق لعالم الأموات. بينما العجوزان التوءمان المئويان ستانشيتبلوتن و شناتسيبتلونت اللذان ولدا من فرج حكيمة القبيلة التي عاشت مئتين وخمسة عشرة عاماً رودجيانتيلار والتي نقلت من أبيها وجدها ووالد جدها، وجد جدها قبلها، الوصية المتوارثة حتى اليوم، من الرجل الوحيد الذي هرب يوماً من إبادة الآخرين، وكان يدعى جيفيراروراروس: “لا تؤمنوا بالأغراب، إنهم يقاتلون الأرواح الميتة في هذه الأرض. إنهم في الخارج يتربصون بنا، يحيطون غاباتنا، فأي دخيل يُقتل، إننا ندافع عن أنفسنا من موت ظالم لا يسمح لنا أن نصبح أرواحاً خالدة”.

لقد آمن جيفيراروراروس بكل ما آمن به أجداده في تلك المنطقة من العالم، أن موت الكائن يتحول إلى روح تهيم في غابات الأمازون وتحوم في السماء فوق الغابات المطيرة الشاسعة وترى الأعداء المتربصين بالقبائل، فإن لم يمت بطريقة لائقة ويدفن واقفاً بأسلوب عامودي، بأقدام راسخة في الأرض ورأس متجه نحو السماء، فلن يصبح روحاً ترشد الأحياء بما يجري خارجاً.

نهض بوبوجيكانتيس حاملاً جزءً من ورقة نخل الآساي، تتماوج فيها مياه الهلوسة من شجرة الفيرولا، وتقدّم ناحية العجوزين المئويين ستانشيتبلوتن و شناتسيبتلونت، فشابكا أيديهما ورسما في الهواء علامة دائرة ثم عكساها مشيران بصمت لـ بوبوجيكانتيس بشرب مياه الفيرولا والتحليق ليتواصل مع الأرواح الحامية للأمازون، ويخبرهم باخر أخبار الأعداء. رفع بوبوجيكانتيس ورقة نخل الآساي عالياً، ووضع مقدمة النخل أمام فمه، مزدرداً المياه، ثم استلقى على الأرض الترابية مُغمضاً عينيه، بينما الرجال تحلّقوا حوله كدائرة لحمايته ريثما يعود من رحلته الاكتشافية لما يجري خارجاً لدى أعدائهم الأشرار.

(2)

لم يؤمن أسلاف بوبوجيكانتيس سوى بالحياة والموت، لم يكن لديهم كتاب مقدّس ولم يعرفوا إلهاً، لم يكتشفوا ناراً، ولم يأكلوا سوى نباتات وفاكهة كالموز والأفوكادو، ويطحنون الكاكاو ليذرفوه رماداً في أفواههم، ويستخرجون السُمّ من لحاء أشجارهم ليصطادوا الحيوانات ويقيمون ولائمهم على أجساد ضحاياهم النيئة، ويهلوسون بترشيح لحاء الفيرولا ليحموا أنفسهم من أعداء الخارج.

كانوا عراة لا قوانين لديهم سوى قانون الحياة، يرقصون عندما تبدأ الغابات بالاهتزاز وتمطر عليهم المياه الاستوائية الدافئة فيمارسون الجنس جماعياً خلف أشجارهم. كانت بالنسبة لهم احتفالات مقدّسة للحياة، أما الموت فليس سوى استكمال للحياة، فالإنسان لا ينتهي أبداً، هو خالد لأنّ له دوراً مستمراً للكفاح وليس للراحة.

كان بوبوجيكانتيس ممدداً كميّت حقيقي، لا شيء يتحرك فيه، والرجال الأشداء ينتظرون عودته عندما تفوّه أحد أبناء الحكيمة ستانشيتبلوتن: “لقد تأخّر بوبوجيكانتيس جداً، وأخشى ما أخشاه أن تكون الأرواح لديها مشاغلها في حماية الغابات المطيرة”.

نظر التؤءم شناتسيبتلونت ناحية أخيه: “لا تقلق يا ستانشيتبلوتن، لا بدّ أنهم قد أخذوه إلى جيفيراروراروس. بالتأكيد هو كذلك، لا بدّ أنّ جيفيراروراروس يشعر بالاشتياق جداً لأحفاده. لا تقلق، سيعود في أية لحظة”.

ساد صمت على الفسحة داخل الغابات المطيرة فوق رؤوس الرجال والتوءمين، منتظرين بوبوجيكانتيس من العودة الظافرة بمعلومات تطمئن الجميع.

(3)

مضى وقت دون أن يعلم الأمازونيون مقداره لأنهم لا يعرفون شيئاً يسمى الوقت، عندما رفع بوبوجيكانتيس رأسه محملقاً بعينيه ناحية الرجال المحيطين به، فنهض على قدميه وسار ناحية التوءمين: “أيها المبجلان العجوزان، لقد رأيت جيفيراروراروس، ولن تصدقوا بما أخبرني”.

نظرت الأعين جميعها ناحية بوبوجيكانتيس بلهفة لسماع تلك الأخبار، فأكمل وهو يجلس على ساقيه أمام العجوزين: “لقد أخبرني بأنّ الأعداء قد اندثروا نهائياً ومنذ زمن طويل، ويقول لكم جيفيراروراروس كعلامة على صدقه، انظروا ناحية السماء كيف أضحت أكثر نقاءً والطبيعة تتنفس بحرية. لقد مات الأعداء جميعهم. لقد قتلوا أنفسهم ذات ليل هبط على أرواحهم فلم ينهضوا، ثم أكلتهم وحوش الأرض التي نصطادها. لذا فيقول لكم جيفيراروراروس اخرجوا من غاباتكم، فالأرض جميعها لكم، أنتم الناجون فقط”.

حدّق الرجال ناحية السماء وشعروا بأنّ الحياة تدب بطريقة غير معتادة فعلياً، لكن التوءمين كانا أكثر حكمة قد ورثوها عن أمهما الحكيمة رودجيانتيلار من أن يسلّموا بصحة مقابلة بوبوجيكانتيس مع جيفيراروراروس، فانحنيا قليلاً نحو الأرض ثم نهضا بتهمل مستندين على عكازتيهما، مُطلقاً شناتسيبتلونت لسانه: “بكل تأكيد جيفيراروراروس صادق فيما قاله، لكن هذا لا يمنع من أن نكتشف الأمر ونكون حريصين جداً، فقد يكون هناك أعداء ما زالوا على قيد الحياة، لذا يا بوبوجيكانتيس، عليك بأن تجهّز نفسك مع عدد من الرجال في رحلة استكشافية عن أي عدو ما زال حياً، وإن استطعتم اكتشاف ذلك فنحن بانتظاركم لتخبرونا بصدق ما قاله جيفيراروراروس”.

رحل الجميع من الساحة باتجاه منازلهم، وبدأ بوبوجيكانتيس بتجهيز نفسه لرحلة اكشتاف خارج بلاد الأجداد التي لم يطأ خارجها أبداً.

(4)

استغرقت رحلة بوبوجيكانتيس مع رجال القبيلة ما يقارب 20 عاماً، شاهد خلالها تمثال المسيح المخلص في البرازيل، وتمثال الحرية، وذهِل الأمازونيون من جسر سان فرانسيسكو الممتد، والأبنية الشاهقة في لوس آنجلس ونيويورك.

لم يصدقوا ما رأوا، دخلوا مطاعم فارغة، ومدن بأكملها دون كائنات فيها، فتحوا كتباً بلغات لم يفهموها ولم يعرفوا ماهيتها، رأوا لوحات بشخوص تشبههم لكنهم مختلفون، وشاهدوا أجهزة لم يختبروها بحياتهم.

كانوا يدخلون كل مكان يستطيعون دخوله ويسمعون أصواتاً موسيقية تصدر من أماكن وأجهزة غريبة، أشياء جامدة تتكلم بمفردها. أدوات لا يستوعبون مهمتها أو طريقة استعمالها. شعروا بأنهم ضئيلو الحجم مقارنة بكل هذا العالم المحيط بهم، وشعر بوبوجيكانتيس للحظة أنه كان مخدوعاً بالأرواح التي تحمي الغابات المطيرة، بأنّ هذا العالم الذي يتراءى أمامه لا يمكن أن يكون وليد نفسه، لا بد له من صانع حقيقي، صانع لا يشبهه أبداً، لا يشبه جسده ولا عقله. لا يمكن له ولمن معه أن يصنعوا شيئاً مماثلاً.

ألتفت بوبوجيكانتيس ناحية الرجال الأمازونيين العراة الذين معه، والصمت سيد الأرض بأسرها: “هل تفكرون بما أفكر؟”.

أخفض الرجال رؤوسهم غير قادرين على الإجابة، لقد شعر الجميع بأن هناك شيء آخر خفي يعطي كل هذا الجمال والهبة دون مقابل. نظروا نحو السماء، التي كانوا ينظرون إليها دوماً فلا يعرفون سوى أرواح موتاهم، لكن هناك، في المدن بكل ما تحمله من غرائب لا يمكن لبشر من أمثالهم صنعه، ترسخت لديهم قناعة بالخفي الذي يهب الأشياء دون مقابل.

“هناك شيء خفي أعطى الأعداء كل هذا الجمال المنير وهذه الأشياء التي تلامس السماء بعلوها. لماذا لم يعطنا أمثالها؟ الأرواح الحامية للغابات المطيرة كانت تعلم ذلك. هناك شيء خفي في هذا العالم خلق كل ما نراه الآن، لا بشر قادرين على صناعة كل هذا. نحن بشر أيضاً فلماذا لا نمتلك قدرة صناعة شيء مثيل؟. إنه الخفي الواهب لروعة كل هذا”.

نظر الرجال المحيطين بـ بوبوجيكانتيس، متمعنين بكل شيء، منحنين للسماء التي وهبت الأعداء كل الجمال الأرضي، ومصدقين قطعاً، ودون شك، وبلا أي ريب، أنّ البشر الأعداء الذين يشبهونهم في شكلهم بصورهم ولوحاتهم المعلقة لا يستطيعون صناعة كل ذاك، آمنوا بأنّ هناك شيئاً يختفي عن أنظارهم يهب الجمال لمن يشاء.

1 Comment

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.