بعض الفردية إزاء معاناة عابرة

لا يمكنني الجزم بأني أمتلك تقنية الطبخ بمهارة عالية، لكن يمكن الإثبات لنفسي بأني قد تجاوزت تلك المرحلة التي أصنع فيها الأطعمة البسيطة، ونوعاً ما أصبحت قادراً على طبخ الشيشبرك. لقد وصلت إلى هذا المستوى في حشو العجين بالبصل واللحم وإخراج اللبن المغلي مع الكزبرة والثوم دون أن يفرط، لقد أصبحت قادراً على صناعة اللبن بطريقة متماسكة بشكل جيد. بالمقابل مازال اليبرق أثناء وضعه على النار، يخرج أحياناً متفسخاً، برغم أنه أثناء اللف يكون مشدوداً بشكل جيد.

المشكلة في هذه الأطعمة أنها تستغرق وقتاً طويلاً لصنعها، إنها متعبة حقاً، لذا يصبح مشروع طبخها احتفالاً مقدساً. وعلى الجانب الآخر، يصبح طبخ الأكلات اليومية هي الأشياء التقليدية والبسيطة والسريعة.

اليوم طبخت المعكرونة مع صلصة البصل والثوم والفليفلة الخضراء والبندورة والفطر، وتوابل الزعتر الأخضر والكاري والزنجبيل وجوزة الطيب، مع موسيقى بويكا.

ربما كانت الفردية متعبة نوعاً ما في التنقل بين عالمين، بعيداً عن تخصيص المهام الجندرية التي فرضتها مجموعة القوانين الاجتماعية والدينية، بين العمل الذي يمكن من خلاله جني المال للحياة وبين مهام منزلية من طبخ وغسيل وتنظيف. إنه أمر متعب لكنه ممتع أيضاً دون إحساس بالثقل الذي يمكن لك سماعه من الآخر الذي لا تعجبه مهامه في الحياة. أن تكون فردياً وتعمل بهدوء بين عملين، أن تطبخ وأنت تتراقص على إيقاع لطيف، هو أفضل من مهمة الآخر التي ينفذها بنفور من شكل اخترعه لنفسه وأحب أن يكون فيه بإرادته ومع ذلك يصخب دماغك بمعاناته.

الطبخ متعب لكنه ممتع، مثل التنظيف تماماً. تنظيف الأطباق هو أقرب أيضاً للشكل الممتع، هو ليس مهمة مطلقة وواجباً لحظياً، رغم أن المرأة بشكل عام تنظر للمسألة بعين الواجب. يمكن غسل الأطباق مرة واحدة في اليوم مع موسيقى أيضاً. شخصياً استمتع بغسيل الأطباق.

لكن ما افتقد براعته فعلياً في الموضوع المنزلي هو الثلاجة والغسالة.

إلى اليوم لا أستطيع أن أفهم قدرة المرأة الهندسية في ترتيب الثلاجة، إنها مخيفة، مرعبة جداً في تلك الهندسة العميقة وهي تمتلك القدرة الهائلة في توسيع إله كامل داخل ثلاجة!. إنها تستطيع أن تضع عشرين طبقاً وكميات هائلة من الخضار واللحوم!. كيف يمكن أن نحصل على هذه المقدرة المذهلة في الترتيب؟. الحقيقة المريرة بالنسبة لنا، أنّ ثلاثة أطباق وربطة خبز ولا يعود هناك مكان في الثلاجة لتوسيع شيء آخر. إن الشعور بهذا الفشل الهندسي مؤذٍ فعلياً في مستواه النفسي.

أما الغسالة مسألة أخرى كلياً.

ربما من بين الأدوات المنزلية الطبيعية، تُعتبر الغسالة هي الأكثر ذكاءً، ومع ذلك مشاعر الإحباط اتجاهها طاغٍ. إنها ذكيّة لدرجة الغباء، فالأواني والأطباق والسكاكين، لا يمتلكون ذكاءً، إنهم جوامد لا يتعاملون بوعي مع وعيك، إنهم ثابتون وينتظرون من يحركهم، لكن الغسالة ذكيّة لمرحلة غبية، إنها تعمل لمجرد ضغط زر واحد، لكن لكي تعمل فهي بحاجة أن تضع فيها كميات هائلة من الملابس الذي أصلاً أنت لا تمتلكه، ناهيك عن درجات الحرارة بين الأردية البيضاء أو الملونة، ومرحلة الغلي والتنشيف، إنها ذكية لكنها لا تمتلك القدرة على التمييز بين الأردية القطنية الكاملة والأردية من أنواع أخرى؛ أهذا هو الذكاء!. إنها معقدة جداً.

الأمور بخير دائماً عندما تحطّم المهام الموزعة بالقوانين الاجتماعية ولو أنك عانيت قليلاً، إن كسر حواجز الافتراضات الاجتماعية الجاهزة، كمفرزات جندرية مثلاً، يجعلك أكثر قابلية للحياة.

بطبيعة الحال، الفردانية ليست مسألة مُحزنة أو مثيرة للشفقة كما يسميها البعض، إنها تحتوي حرية أكبر مما يمكن تصوره، ما تحتاجه فقط قليل من نظرة أن الحرية هي ليست سوى وعيك الممتع إزاء أي شيء تفعله.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.