نصٌّ لا إنساني.. وجهة نظر إنسانية يرفضها من يظنون أنفسهم يمتلكون مشاعر الإنسانية المطلقة

لنتحدث بمنطق شخصي ونقول بأنّ ما سيُقال قد يبدو براغماتياً بالنسبة للبعض، ويحمل في طياته نوعاً من كره، بحسب وجهة نظر آخرين، لكني شخصياً أفضّل أن أسميّه، حب الفطرة ووعي بالطبيعة وإيمان بها.

قد أموت بما يسمى فيروس كورونا، وهذا احتمال جائز، لكني شخصياً، وبصدق، لا أكترث كثيراً للأمر.

منذ زمن طويل وأنا موقن بعمل الطبيعة، لدي شعور عارم بمشهدية هذا السكون الرائع فيها، السحر الصامت لها، والجبروت الهادئ قبل انفجارها، والقوة الساخرة النائمة قبل أن تشعر بتهديد وجودها؛ وكنت عندما أسمع بعض متفلسفي السياسات والثقافات والأديان حول سيطرتهم على الطبيعة، ينتابني ضحك داخلي للحماقة التي يتفوهون بها. كانت ومازالت ثقتي بقوة عمل الطبيعة حاضرة، إنه نوع من إيمان خفي بأنّ الطبيعة عندما تشعر بتهديد وجودها الذي نشأت عليه فإنها مستعدة لتدمير أي حضارة على وجه الأرض مهما كانت تلك الحضارة متطورة. لا وجود لأحد يستطيع أن يروّض الطبيعة.

وبالمقابل كان الإنسان في بحثه الأجلف عن التفاوت الثرائي بين البشر وتفعيل الآلة الاقتصادية لزيادة المكتسبات، وخلق عبودية جديدة للجنس البشري، تثير قرفي إزاء العالم، ومع ذلك كنت واثقاً أن يوماً ما سيأتي وتقوم الطبيعة بإنهاء كل شيء، ومنذ سنوات وأنا أكرر تلك العبارة التي كان الآخرون يسخرون مني ومنها: “البشرية لن تفهم العدالة والمساواة والحياة ومنطق الاستمرار إن لم تتلق صفعة قاسية تدمّر كل شيء”.

كورونا اليوم بطريقة ما هو صفعة في وجه رجال السياسة وتجار الحروب ورجال الدين البلهاء والبشر الأغبياء الذين لم يقاوموا سلطاتهم ليحظوا بحياة عادلة مع غيرهم ويتآلفوا بمتعة مع الطبيعة ووجودها، لقد تفشّت أخلاقياتهم المبتورة إلى درجة أنهم يشعرون بروعة السيطرة على غيرهم، ليس بالضرورة كقوة سياسية وعسكرية واقتصادية ودينية فقط كما تفعل هرميات السلطة، بل بين البشر البؤساء أنفسهم، بقوانينهم التافهة بالأخلاق الوضعيّة التي تخيلوها أنها قوانين أبدية سماوية، أو بالأديان ورجالاتها الذين يسعون دائماً وأبداً لبقائهم في مركز أعلى، أو المجتمع بصور مجتزئة من حقيقة الإنسان وعلاقاته مع الحياة نفسها، أو تفاوتهم الطبقي.

كورونا اليوم أوقف الاقتصاد، رجال الثراء مصابون بالجنون لأن مكتسباتهم نقصت، والسياسيون يشعرون بالخزي لأنهم يدركون أنهم قادمون على ركود عالمي، ورجال الدين يخشون من وعي شعبي عالمي لأنّ الله بكل عباداتهم له لا يفعل شيئاً لهم، إنهم يخشون من وعي يتطور أبعد من صورة الإله العادل والخالد.

المتحكمون بحيوات البشر واستعبادهم خلال مئات الآلاف من السنين، لن يعودوا قادرين على الاستمرار (إذا ما استطاعت العلوم إيقاف عمل الفيروس والسيطرة عليه، تجاوزاً)، حتى أن السماء أصبحت أكثر نقاء بسبب توقف الإنتاج الصناعي.

من الصحيح أن البشر يموتون، لكن ببساطة هذه ضريبة الجهل وقبول الذل والاستعباد الذي رضخت إليه الإنسانية ليكونوا عبارة عن جيفة كلب مهترئة تعمل لصالح الآخرين دون أن تحظى بقليل من حياة طبيعية كغيرهم، ضريبة بعض الأشخاص الأكثر ثراء وهم يبحثون عن رفاهية مقيتة لا معنى لها سوى أن يكونوا متفوقين على الآخرين، حتى وإن كان ثراءً بسيطاً، تحت اسم التشريع القانوني والديني والأخلاقي بأنّ العالم خُلِق متفاوتاً.

بكل الأحوال، أنا شخصياً سعيد بما يجري، مع احتمالية كبيرة بموتي في أي لحظة. هذا بطبيعة الحال ليس حقداً، إنما درس قاسٍ وضروري ليعي البشر اليوم، مستوى الوضاعة والاستعباد والذل الذي عايشوه هم وأجدادهم.

رجال الدين يصرخون بضرورة الاستمرار في عبادة الله لتستمر الإنسانية، لكن الله لن ينقذكم أعزائي، ودعوتهم لاستمرار الإنسانية ليست حباً بالناس، إنما استمرار لسلطاتهم على البؤساء. ورجال الصناعة والاقتصاد ينفجرون خراءً متطايراً غير مصدقين لخساراتهم المليارية جراء الوقوف المفاجئ لماكيناتهم، ويدعون لإيقاف هذا الفيروس وإيجاد علاج له، ليس محبة بكم أيها البشر الصغار، إنما لأنهم يريدون المزيد من المال والرفاه على حساب أجسادكم وأرواحكم. والساسة يشعرون بالحقد لما آلوا إليه وهم يخشون وعياً بشرياً جديداً، فعملية ترويض الناس من جديد هي أصعب بآلاف المرات مما كانوا يعيشون قبله.

شخصياً سعيد، وموقن بعمل الطبيعة عندما تثور على كل شيء بما فيها الحضارة الزائفة، ومن المحتمل أن يجد العلماء علاجاً لفيروس كورونا، وهو احتمال جائز، لكن لن تكون الأخيرة، حتى وإن سيطروا على الفيروس وأعادوا تدوير سلطاتهم وحروبهم وبقي الناس أذلاء باحثين عن فتات الرفاهية السخيفة وبقيوا عمال مأجورين لدى تلك السلطات دون أن يعوا بأنّ استمرار الحياة على هذا الشكل هو تدمير أبدي، فكونوا واثقين أن الطبيعة لا تتوقف.

قد تسيطرون على الكورونا، لكن سيأتي يوم وتخرج الطبيعة من جديد لتدمّر الحضارة الإنسانية التي تتطور بطريقة غبية وغير شرعية أبداً، ستُخرِج الطبيعة مرضاً جديداً (كونوا على ثقة من ذلك)، لكن سيكون أشرس من الكورونا بمئات المرات، وحينها يمكن للبشرية التي استرضت ذلها دون أن تهدم السلطات للأبد (الدينية والاقتصادية والسياسية) وقبلت بعض الرفاهية الغبية على حساب الحياة بتآلفها الرائع مع الطبيعة، أن يبكوا قليلاً قبل اندثارهم النهائي، وأن يحضنوا سفلة العالم المسيطرين على البشر من رجال دين تافهين واقتصاديين لا يهتمون سوى بمكتسباتهم، يمكن للجميع أن يحضنوا بعضهم ويموتوا.

الطبيعة ليست رجالاً يمكن إسكاتهم بصاروخ عابر للقارات وليس كائناً يمكن إقناعه بأن الخلود ستحصل عليه إذا ما سمعت رأي رجل دين والتزمت به. كورونا اليوم هي الفرصة لإعادة تشكيل وعي بشري جديد، وسحل أي قوة استعبدت الإنسان لمئات السنين في الشوارع.

الحضارة والرفاهية الزائفة التي تُبنى على قبولكم لاستعبادكم أيها البؤساء لن تصنع لمستقبلكم استمراراً، إنها هلاككم الأبدي.

قد أموت بالكورونا لكني فعلياً غير مكترث، بل وسعيد جداً لما آلت إليه البشرية. الذليل يجب أن يموت، والقوة يجب أن تندثر وتجار الدين والحروب والسياسية يجب أن ينتهوا. إما أن تُعاد الحياة بطريقة جديدة وإما وعي عالمي لإنهاء كل هرمية سلطوية في هذا العالم لتستمر الإنسانية.

المسألة اليوم ليست دعابة أبداً. السلطات تريد إنقاذنا، لأنهم دوننا لن يكون لهم أي قيمة أو أبدية أو سيطرة.

فلتحيا الطبيعة وأمراضها لتقضي على الغباء والقوة والذل والعبودية.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.