شعوذة الدم البريء في جبال آسيا

المدة المقدّرة لقراءة التدوينة 9.30 د

(1)

بصقت عرافة القصص، الدادا سويديداد، وهي تتأمل المكان بعينها الوحيدة، في الإناء النحاسي المزخرف بأزميل تشون هو يو، صانع النحاسيات الصيني، وخادم الملوك، الذي مات قبل ألف وسبعمائة عام عندما أطاحت رأسه نِصال أمراء الحرب الثائرين، ثم أضافت إليه بضع قطرات من دماء الجرذ الأندونيسي في العالم القديم، وهي تتمعن بعينها الوحيدة الحادة وتحركها بين الإناء ووجه أمي الناضح حبيبات عرق فوق جبينها.

إنها حمى اللعنة. لن تستيقظ إلا بسفح قربان من الدم الحيواني البريء على سفح ماناسلو Manaslu.

قالت العرافة سويديداد ذلك ونهضت بردائها الأسود الفضفاض ناحية برميل الماء، فغطست بيديها المجعدتين داخله وتمتمت ببضع كلمات ثم ألتفتت ناحيتي:

هل كانت أمك تعشق أحداً قبل والدك؟.

ابتسمت في العين الوحيدة لسويديداد، وزممت شفاهي دليل عدم معرفة ثم أضفت:

كيف لي أن أعلم، لكن لا أعتقد ذلك. لقد تزوجت أمي صغيرة جداً، أعتقد أنها كانت في الثانية عشر، لم يسعفها الوقت لتحب أحداً. لكن لمَ تسألين؟.

افترشت سويديداد الأرض، وأسندت ظهرها المنحني إلى الحائط البارد:

إن هذه اللعنة لعنة عاشق، لكنه ليس عاشقاً محلياً، إنه آسيوي أصيل، وربما كان صوفياً روحانياً لكنه بكل تأكيد خبيث ذهني. لكن السؤال من هو هذا الشخص!.

اتجهت ناحية الرخامة في المطبخ، وقطّعت بعض التفاح في طبق مزخرف بصراصير على حوافه وقدمته للدادا سويديداد:

اعذريني لمنظر الطبق، لكن لم نعد نملك غيره، إنه صناعة متينة جداً.

ابتسمت سويديداد:

لا تشعر بأي إحراج يا بني، فالصراصير أيضاً كائنات جميلة، ولو أننا البشر أصبحنا نقيّم الأمور كما نريد.

قضمت الدادا التفاح بأسنانها بعد أن أخرجتهم من فمها المجعد ونظفتهم بأكمامها السوداء العريضة ثم أعادتهم إلى جوفها؛ فتفوهت:

منذ عامين عندما مات والدي، أصبحت أمي حزينة جداً، والشيء الوحيد الذي أخرجها من محنتها الروحية القاسية في الحزن، كان عن طريق شرائي لها هاتفاً محمولاً جديداً. ومنذ ذلك الوقت لم تعد تبكِ، بل إنها شعرت بقوة هائلة للحياة. لقد أصبح الضحك والفرح محور انتعاشها. حتى وجنتيها كانتا تحمران كفتاة مراهقة في لحظات معينة. كنت أشاهد ذلك وهي غارقة بنظراتها في داخل الجهاز.

تأملت سويديداد عباراتي الخفيفة وهي تتجه إلى إصغائها، وبعد صمت قليل:

هل يعقل أن هناك من تحادثه من خلف هذا الشيء!.

أشارت الدادا للجهاز بجانب أمي، فأمسكته وبدأت بتفحّص محتوياته عندما رأيت صورة بقرة بجرس ذهبي في عنقها وهي واقفة على سفح جبلي، وفي الأسفل محادثات كثيرة بلغة لم أفهمها. أعطيت الجهاز للدادا سويديداد فنظرت وهي تزم عينها الوحيدة:

مثلما توقعت تماماً يا بني. هذا هو سفح ماناسلو حيث تقف البقرة.

هززت رأسي دليل ضجر:

أريدك أن تقرأي ما كُتب في الأسفل.

تمتمت الدادا قراءة لغة غريبة.

म तिमीलाई माया गर्छु. तपाईंको पति मरिसकेका छन्, र यो अन्तिम सन्देश हो जुन म तपाईंलाई लेख्दैछु।, मलाई विवाह गर्नुहोस् वा तपाईं सुतेको श्राप सदाको लागि हुनेछ

ماذا يعني ذاك؟.

صرخت في وجه سويديداد التي رفعت رأسها مبتسمة قليلاً:

أحبك. لقد مات زوجك، وهذه هي الرسالة الأخيرة التي أكتبها إليكِ. تزوجيني أو ستحلُّ عليكِ لعنة النوم للأبد. إنها باللغة النيبالية. كما توقعت تماماً. هناك من افترش طقوس الشعوذة الصوفية في الجبال الآسيوية. لن تنجو أمك إلا بذبح دماء بريئة على سفح ماناسلو.

(2)

لم يكن لديّ خيار سوى إنقاذ أمي، رغم شعوري العميق ببغضها. ربما إحساسي بالخديعة لذكرى والدي، لكن من جانب آخر يمكن أن أعترف بحقها في الحياة، مع ذلك فإن فكرة عشقها لرجل يبعد عنها كل هذه المسافة من وراء شاشة لهو أمر تافه ولا قيمة له، ويحمل إضافة إلى ذلك كل مقومات اللعنة التي أصابتها. إنها تستحق تلك الغيبوبة والحمى.

اتخذت قراري بالسفر إلى سفح ماناسلو. حجزت تذكرتين، لي وللبقرة التي اشترتيها من بائع الأبقار تفهوتة السن، وهو رجل خبير في الأصول الملكية للحيوانات، قال لي:

هذه بقرة من أصول هندية عتيقة. لقد نشأت في عائلة هندوسية قدست سلالة البقرة لمئات الأعوام. سلالة نقية جداً. لم تختلط بثيران شعبيين، جميع الأبقار كانت تنتفخ أكياسها الرحمية بنطاف ثيران ملكيّة. إنها نقية جداً وبريئة جداً. لا تفكر أنه يمكن لي خداعك. تفهوتة لا يخدع زبائنه أبداً.

لم يكن لديّ من خيار سوى تصديقه. فصيت تفهوتة السن تجاوز حدود البلاد، إنه أشبه بشهرته من شهرة الدادا سويديداد. إنهم كائنات صادقة جداً.

أخذت البقرة وصعدت إلى الطائرة المتجهة لنيبال، وجلسنا في الكرسيين رقم 67 و 68. كانت نظرات البقرة توحي بفهم عميق لمصيرها المحتوم، لكن نتيجة إحساسها الملكي التاريخي، فقد كان كبريائها يمنعها من الخوار. سارت الرحلة على أكمل وجه وبصمت، وفجأة أطلق قبطان الرحلة الجوية بصوت عذب:

حاجزو تذاكر سفح ماناسلو تجهزا للهبوط. بقي أمامنا عشر دقائق للوصول.

أخرجت الرداء وألبسته للبقرة مع مظلتها وارتديت رداء المظلة، وتوجهنا ناحية الباب بعد أن شكرت القبطان لتحويل رحلته لسفح ماناسلو:

لا تشكرني يا بني فهذه مهمتي، ولو أن الأمر غير مسموح به للتحليق فوق جبال الهيمالايا، لكن ليس بالأمر الصعب أن نستمتع بهذا المنظر الأبيض قليلاً.

ابتسم القبطان في وجهينا، وقفزنا من البوابة ممتطياً البقرة الهندوسية وهابطين بسرعة ناحية السفوح الجبلية. فتحتُ مظلة البقرة فارتفعت نحو الأعلى وأنا ممسك بقدميها، ثم تركت نفسي في الهواء لأفتح مظلتي وارتفع أيضاً وأصبح قبالة البقرة وهي تخور رعباً من هذه المغامرة، وشعرت بعيونها كمن يقول:

كبريائي يسمح لي أن يُضحّى بي لإنقاذ إنسان، لكن ما هو الداعي للشعور بهذا الرعب! تباً لك.

كانت التيارات الهوائية تجرفنا قليلاً ناحية اليمين واليسار، وكانت مهمتي صعبة حقاً في تحدد نقطة الهبوط وأنا أحاول أن أوجه البقرة بحجمها الهائل إلى سفح ماناسلو. أخرجت البوصلة من جيب معطفي وأنا أراقب تحديد وجهة الشمال، عندما رفعت رأسي فرأيت عيون البقرة جاحظتين وهما تتأملان حركة عقارب البوصلة المرتجة، كانت عيونها مندهشة ومستمتعة جداً لرؤيتها شيء صغير يتحرك بهذا الارتجاج والتمايز اللوني بين الأحمر والأسود. أمسكت رأس البقرة وطبعت قبلة في جبينها، لقد أغرتني رؤية اندهاشها البريء بذلك الشكل.

توقفت البوصلة في تحديد جهة الشمال، وأصبحنا قريبين جداً من سفح ماناسلو. هبطنا بالمظلات بهدوء وانزلقنا قليلاً نحو الأمام، لنثبت نهائياً في الأرض الثلجية. حللت المظلات من فوق أكتافي ومن فوق البقرة، واتجهنا سيراً ناحية عمود مغروز في السفح وعليه ربطة حمراء صغيرة ترفرف ناحية الغرب. لقد كانت تلك لعنة النيبالي العاشق لأمي.

نظرت البقرة بحزن، ثم جلست بهدوء على قوائمها المثنيّة وأغمضت عينيها. لقد شعرت بقلبي يتمزق حقاً على تلك التضحية العميقة، هل هناك إنسان يستحق أن يعيش على حساب كائن بريء! كائن يعلم أن مهمته في الحياة هي أن يكون مقدساً في بيئته وتافهاً لبرغماتية في بيئة أخرى، أو يدرك عميقاً في روحه أنه جزء من الطبيعة الكاملة بأنه يستحق الحياة لا لشيء سوى أنها حياة طبيعية لا معنى لها وأنها يجب أن تعاش لقانون يستهلكنا ككل الكائنات.

نظرت حولي متمعناً في تلك المساحات البيضاء الشاسعة، وأحسست بنبض في قلبي يدعوني للحياة المطلقة في أرجائها. هل يمكن أن استبدل هذا الانفتاح الكلي للجمال والهدوء بصخب أعود إليه لأنقذ إنساناً حتى وإن كان أماً!.

فتحت البقرة عينيها وهي تتأملني وكأنها تطلب مني أن أنهي ما جئت لأجله، عندما أطلقت سؤالاً سريعاً في الأرجاء فردده الصدى:

هل يستحق من اختار مصيره بنفسه أن نغيّر مصيره من أجل أن نثبت للعالم أننا إنسانيون حقاً! ألا تستحقين الحياة أيها البقرة؟. لقد أوحت أمي للنيبالي بالعشق ولم ترتبط به فلعنها بنوم أبدي، ما شأنك أنت أيتها البقرة البريئة.

نظرت البقرة طويلاً في فمي وهو يتلو الكلمات، ثم أصدرت خواراً كمن يقول بأن الحيوان هو حيوان في نظر الإنسانية مهما كانت أخطاء ذلك الإنسان. وإنقاذه مهمة جليلة ليعيد تصدير الخطأ مرة أخرى، لذا فأنتم البشر تحاكمون بخلود ثنائي، لكننا معشر الحيوانات إن عشنا أم ضُحّي بنا، فلا معنى لخلودنا. نفّذ ما جئت من أجله ودع أمك تخلد في الجحيم.

كانت فلسفة البقرة أعمق بكثير مما يمكن لبشري استيعابه، أجل، ذبح حيوان هو خطوة في سبيل الخطأ البشري ذو النزعة الإنسانية.

مررت السكين على عنق البقرة فانتفضت بهدوء ودون صوت وسالت الدماء على سفح ماناسلو البيضاء لتصبغها باحمرار بريء لكائن نبيل يدرك عميقاً ما لا يدركه البشري الساعي للحياة.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.