القيمة الجوهرية للذات التافهة .. الترويض العلمي للإنسان

إن التعبير الاجتماعي “الإنسان أكثر قابلية للتأقلم مع مشاكله الكبرى كلما تقدم في العمر أكثر” قد يكون تعبيراً عاماً وغير دقيق، فمن حيث المبدأ الأساسي للوعي البشري، أنه كلما أصبحت مشاكلنا أكبر، أصبحنا معها أكثر حنكة في إيجاد حلول لها، أو بأضعف الإيمان مناقشتها، وتتحول تدريجياً إلى مسائل جدلية على مساحات واسعة، كمعضلة السياسة الدولية، والموقف الوطني والإنساني من الحروب، أو إثبات فاشية نيتشه، أو الاضطراب الجنسي لدى فرويد، أو حتى العبقريات السينمائية، أو أحياناً معضلات من قبيل هبوط الفن، أو ظرف العمل السيئ نتيجة شراسة الاقتصاديات النيوليبرالية.

أشياء نصادفها يومياً، تستفز بعضنا وتكون عابرة لدى آخرين. لكن في كل هذه المعضلات التي ندخل غمارها وتسحق مشاعرنا أحياناً، وتجعلنا نثور أحياناً أخرى، هناك نوع من المعضلات الذاتية التي تتفوق على كل ما ذُكر، من حيث قدرتها على تحطيمنا وجعلنا أقرب للعصابيين. أشياء بسيطة تُثير في داخلنا مجموعة من الأفكار والحنق والإزعاج إلى درجة غير معقولة. أشياء نكرهها ونكره ممارستها، وأن تكون في حيواتنا. هذه الأشياء تتفوق أحياناً على كل صراعات الفلسفة والفكر والوطن والجدل.

بالنسبة لي شخصياً، وكي يكون باباً تمهيدياً لشرح الفكرة، إن إحدى أكثر الأشياء المزعجة والتي تثير غضبي بشكل لا يوصف وتكون على مقدار مساوٍ تماماً لخسارتي في أي مسألة أخرى، هي مسألة المنفضة البلورية. لا أستطيع أن أشعر بالهالة السحرية لإدماني على التدخين إن لم أنفض رماد سجائري في منفضة بلورية.

بالنسبة للآخرين المسألة تافهة إلى درجة لا تحتاج أن يتحدث أحد بها، لكن بالنسبة لي هي قضية مصيرية. مستوى الإزعاج الذي أعانيه، وإن التزمت الصمت حياله، هو نفض سجائري في منافض خشبية أو بلاستيكية في منازل آخرين، لا يمكن أن أعبر عليه دونما تعليق حتى وإن كان مزعجاً لمستضيفي.

الأمر ذاته يمكن أن يكون في حياة أي شخص آخر، تفاصيل لا تهم سوى ذلك الشخص، ليست بالضرورة منفضة بلورية، لكن هناك أمور ثانوية ولا تعني شيئاً سوى لصاحبها. تلك الأمور هي من الأهمية الذاتية تجعلها تتفوق على كل شيء فلسفي وفكري وسياسي ووطني.

حالة من السكينة الغريبة التي ترافقنا في تلك التفاصيل التافهة، تحدد شخصياتنا وطريقة تعاطينا مع العالم الخارجي ومواقفنا الأكبر أيضاً. إنها بطريقة ما تحدد طبائع الشخصية، القدرة على التنازل أو المسامحة أو عدم الاكتراث أو التشنج. أشياء تحدد الماهية النفسية. الموضوع ليس عبثياً وعابراً أبداً رغم ما يتصف به من تفاهة.

تحدد العلوم النفسية الحديثة أن السلوك البشري السوي، غير المرضي، هو السلوك الذي يتأقلم مع المجتمع دون أن يصاب بالغثيان والتشنج، بمعنى هو فرز الأسوياء ككائنات قادرة على الاندماج الكلي في صيرورة المجتمعات الصناعية والاقتصاديات الكبرى والخضوع الكلي لمفاهيم السياسة الاحتكارية، والأهم عدم الشعور بالضيق من أمور ثانوية عابرة كالمنفضة البلورية.

ببساطة، انزعاجي وتوتري من عدم توفر منفضة بلورية هو بالنسبة للعلوم النفسية، سلوك مرضي وغير سوي أبداً. أنا بالنسبة لهم كائن يحتاج إلى معالجة.

لكن لو توقفنا قليلاً عند تلك المجتمعات التي تريد أن تخلق إنساناً سوياً بحسب مفاهيمها، فكيف يجب أن تفترض معالجة لحالتي النفسية وعلاقتي مع المنفضة البلورية!. الأمر سيكون بسيطاً بجعلي قادراً كلياً على نفض سجائري في منافض بلاستيكية أو خشبية دون أن أشعر بالتوتر.

قدرتي تلك على الاندماج والتنازل عن رؤيا خاصة، بجعلي مسالماً لفكرة وجود نوع آخر من المنافض (رغم أني لا أنكر وجودها، ولا أحرّم ممارستها على الآخرين، لكني لا أريد ممارستها)، تعني قطعاً قدرتي على التسليم بأي شيء آخر يخدم مصالح من يريد لي الاندماج بالمعنى الحرفي. قبول نفض السجائر في منفضة خشبية يوازي قبول العمل 12 ساعة في معمل يستهلك كل قيمة إنسانية فيك. الرفض لا يُجزّأ.

الاندماج مع مجتمع الأسوياء، من وجهة النظر العلمية والنفسية الحديثة، التي بطبيعة الحال هي ليست سوى نتاج لتلك الآليات الاحتكارية التي تخدم أهداف سياسية وصناعية، ستجعلني أرضى بقوانين العمل الصناعي، وعدم مناهضتي لمفاهيم الاستهلاك الاجتماعي، والدخول في حيز القطيع السياسي، والتسليم الأعمى بالغيبيات دون التفسير العقلاني، وكثير من الأشياء الأخرى.

بالتأكيد الموضوع لا يتعلق بمنفضة بلورية، أو أي تفصيل تافه بالنسبة للناس في حياة أي شخص، بل بقيمة الذات التي تشعر بالمتعة في تعاطيها مع الأشياء البسيطة، وآلية الرؤية التي تحاول جميع العلوم التابعة، خلق إنسان على شاكلة معينة تحت اسم الإنسان الحضاري المسالم والمندمج، وكأنّ الرافض للبؤس في هذا العالم هو إنسان همجي، تماماً مثل الرافض لنفض السجائر في منفضة بلاستيكية هو إنسان مضطرب.

التطويع والترويض تحت اسم إنسان أكثر قابلية للتأقلم، هو ليس سوى معنى لخلق إنسان عبد من طراز حديث. عبودية مسالمة ونفوس بشرية مندمجة مع عالم يدمر قيمتنا الرافضة لكل استغلال، باسم الأخلاق والتقدم.

كم يوجد من الأشياء الخاصة (المصيرية للذات والتافهة للآخرين) التي تجعلنا سعداء، وتصيبنا بالتوتر لعدم توافرها! وكم يوجد علوم اجتماعية تفرض منطقاً لتقديم رؤيا التأقلم تحت مسميات الإنسان السوي!.

عملية الفرز العلمي هذه هي عملية نبذ مقصود إن لم يتأقلم الشخص مع العالم السياسي والاقتصادي الخارجي.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.