دعابات قاتلة لعائلة سخيفة مقدسة

The Holy Family – Francisco Goya

(1)

حريٍّ بي أن أقول الآن، بأني لو كنت أمتلك شيئاً من عقلانية تدعوني للتفكير بطريقة لدور النشر أن تقبل قصتي القصيرة هذه وتنشرها، فيجب عليّ أن أبدأها بالقول: عندما أخبرت أمي بأني أكرهها لأنها لم تفعل شيئاً اتجاه عيني التي اقتُلِعت، أمسكت بطنها بيديها وصرخت متشنجة باكية، أنها لو كانت تعلم بأن بطنها سيحمل كائناً قاسي القلب مثلي فكان الأجدر بها أن تُسقطني.

لكن الأمر ليس كذلك أبداً، فالحقيقية هو أني عندما أخبرت أمي بأني أكرهها لأنها لم تفعل شيئاً اتجاه عيني التي اقتُلِعت، تأملتني طويلاً ثم ضحكت باستخفاف وقالت:

لو لم أكن عاهرة، بمهبل استيراد طريق دولي، لما أنجبت تافهاً مثلك.

ثم اتجهت للمطبخ لتصنع فنجاناً من القهوة وتقرأ في كتابها المفضّل، لكن قبل ولوجها من باب المطبخ، ألتفتت ناحيتي وابتسمت متفوهة:

لكن أتعلم؟ السبب الجوهري لتفاهتك هو والدك، فلو كانت نطافه ذات خصال حميدة لما خلق شخصاً على هيئتك. لقد أخبرته أن يذرفهم في فمي، لكنه لم يتمالك نفسه، لقد خار كثور صريع على جسدي وملأني بأخوتك الموتى. شكراً لأنهم موتى، فلو كانوا أحياء فلن يختلفوا عنك؛ أو ربما يختلفون، فلن يكونوا بعين واحدة.

ضحكت وغادرت إلى مطبخها بينما وقفت أنا لا اعرف ما أفعل، فضربت المزهرية التشيكية بقدمي فانكسرت.

لقد توقفت طويلاً عن الكيفية التي يمكن أن أبدأ مدخل قصتي هذه! لكن أيهما الأكثر أهمية، أن أبحث في قواميس اللغة والأخلاق لأكتب ما يناسب ذوق القارئ الحساس أمام الكتاب والمبتذل الوضيع في حياته اليومية، أم أن أقول الحقيقة كما هي!.

أعتقد أن تجميل الأفكار وضرورة البحث عن لغة تناسب البلاغة، ما هي إلا صيغة وضيعة. أجل جميعنا سفلة بطريقة ما.

بطبيعة الحال إني منبوذ بكلتا الحالتين من الوسط الأدبي، فلا مشكلة أبداً بقول الحقيقة، ولا أهمية لرفض دور النشر واعتذارهم لعدم نشر القصة لأنها تتعارض مع قيم الفكر الحسّاس في عالم وضيع كلياً.

(2)

لقد طحنت بعض الزنجبيل مع أعشاب الماريجوانا بعد تجفيفها، وأخرجت بذور حبات الطماطم لنقعها في زجاجة خلّ، ثم أضفت قليلاً من فلفل أسود، وقمت بغليها كلياً على نار هادئة بما يقارب التسع ساعات، وجعلت أختي العذراء تشربها لتقع طريحة النوم لما يقارب الأربع وعشرين ساعة كأنها ميتة بشكل فعلي.

لم أكن أريد منها سوى ممازحتها وفض عذريتها التي كانت تخشى عليها جداً، لقد أردت أن أفضّ عذريتها بقلم رصاصها، وبالأخص بعد أن مازحتني منذ شهرين وهي تغرز قلم الرصاص الذي تستخدمه في كلية الفنون الجميلة داخل عيني. إني الآن بعين واحدة.

وهذا في الأساس ناتج عن دعابتي السابقة لها، عندما طعنت لوحاتها الأربع والعشرين بنصل فولاذي قبل معرضها المعلن بساعات، حيث كانت اللوحات قد تمت تغطيتها بأقمشة طويلة، وكانت المفاجأة عندما بدأت بسحب القماش ليشاهد الحضور لوحات عبقرية وممزقة في منتصفها، لقد دمرت حياتها ومستقبلها الفني كلياً. لكن فعلي ذاك ليس وليد مزاج سيء مثلما يعتقد البعض، فما فعلته هو نوع من الدعابة أيضاً تجاهها، عندما ضحكت وهي تقول لي في وقت سابق أمام مجموعة من النيران المشتعلة بأنها تمازحني، وقد أشعلت جميع الأوراق التي كتبت عليها قصصي وكانت النسخ الوحيدة التي كتبتها على مدار سنوات طوال؛ لقد دمرت حياتي وحلمي بصناعة كتاب فعلياً.

بالتأكيد فعلها ذاك هو أيضاً لأسباب أخرى قبلها، لكن إذا ما أردت أن أسرد تلك الحوادث فلن تنتهي، لذا سأكتفي بالتوقف هنا. لكن الحقيقة لا أذكر على وجه الدقة ما هي أولى اللحظات التي بدأنا فيها تلك الدعابات، لكن المؤكد أننا لم نأتِ بها من فراغ، إنها موجودة في النسخ الجينية المستقاة من والدينا.

(3)

أنا الطفل الثاني، وأختي الطفل الثالث، أما الطفل الأول، فقد قتله أبي عندما تنفس هواء الأرض، لأنه تذكر عندما شاهده، بأنه عندما تزوج أمي، اجتاحه الشبق ونسي أن يُصلي كي لا يشاركه الشيطان بشهوته في زوجته. عندما رأى ابنه البِكر، رأى في وجهه ملامح شيطان، فقتله. هكذا أخبرنا والدي.

بالطبع لم يعرف أحد بالأمر، وشعرت أمي بإحساس قاتل، لكن أبي طمأنها أنها يمكن أن تنظر للموضوع من زاوية الفكاهة بأن قتل رضيع بهيئة شيطان هو أفضل خدمة مضحكة يمكن تقديمها لإله وللإنسانية.

ومنذ تلك اللحظة ابتدأت سلسلة من الفكاهات والدعابات القاتلة في عائلتنا.

صحيح أني وأختي قد ذُرِفنا إلى الرحم الوردي بعد صلاة مقدسة، لكن مع الإيمان الكلي بأننا أبناء رجل وامرأة دون تدخل شيطاني، فهذا لم يُلغِ انسياح الجين الوراثي المرتبط بالفكاهة المقيتة التي دمّرت حياتنا العملية.

لكن أتريدون الحق، فبالرغم من تدميرنا لحيواتنا العملية، إلا أن السعادة والضحك الذي يراودنا عند الانتهاء من تلك الدعابات إن كانت ضدنا أم نحن من ينفذها، فإنها كانت تُشعِرنا بالسعادة البالغة. فهل يوجد ما هو أكثر فكاهة من تمرير سكين حديدة باردة على جلد أبيك وهو مقيد إلى كرسي وتشاهد نظرات الخوف في عينيه؟ أو ضرب أمك لرأسك بعصا خشبية فتفقد التوازن ثم تصب زيتاً حاراً على فخذيك لتتألم وتتشوه للأبد؟ أو تكبيل جسد الأخت من قِبل الأب عقاباً لها وهو يدع سرباً من النمل الصغير يدخل في فتحة شرجها والإصغاء لخوفها المزمع؟.

إن كسر حاجز الخوف لا يمنعك فعلياً من الإحساس به، لكن اعتيادك على المجازفة المُغصبة بما لا تتوقعه، يخلق في دمك نسباً من الأدرينيالين القاتل الذي يجعلك ترتجف مع إدراكك أنك ستبقى على قيد الحياة، ولن تصاب بأذى بالمعنى الفيزيولوجي، ولو أن الدعابات بيني وبين أختي في آخر مرحلة قد أخذت حداً من التدمير الجسدي، فأنا قد أصبحت بعين واحدة وأختي ستُفضّ عذريتها.

لقد بدأنا مرحلة اللاعودة في مسألة تطوير الفكاهة، لقد تجاوزنا المنطق الطبيعي، فممارسة الشيء لا تعني البقاء على الشيء بحالته الطويلة الأمد، المؤثر الخارجي سيخلق شكلاً جديداً، ليس في الفيزياء الحركية فقط، بل حتى في الوعي الدفين والتشوه النفسي.

(4)

كانت الساعة قد أعلنت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وأختي ممددة على سريرها، لقد شربت الكأس الذي أعددته لها منذ ثلاث ساعات. لقد كانت جميلة في موتها اللحظي، شهوانية بشكل لا يوصف، لكني لست مريضاً لأقوم باغتصابها بعضوي، أريد لها أن تعرف عندما تستيقظ أنها كتلة من التفاهة التي تستحق فكاهة مناسبة جراء أفعالها.

جلست بقربها وخلعت أرديتها الداخلية. تأملت شقها الصغير، وضعت إصبعي عليه، ولا أنكر كمية الشبق الذي راودني، لكن لديّ مهمة واضحة. كان منظره جميلاً وهو مغلف بخفّة لحمية دون أن يشعر بشهوة فيكبر وتبدأ مرحلة ظهور الأجزاء الداخلية منه الأكثر إثارة لجنسانيتها. مشهده المغلق ذاك كان مثيراً بالنسبة للآخر وليس بالنسبة لذاتها بكل تأكيد.

فتحت كتاب تاريخياً يهتم بالمفاهيم الجنسية عند الشعوب القديمة، وغرقت فعلياً في الأشكال المحببة لوعيهم وآلياتهم لموضوع العذريات وطرق التخلص منها.

هناك الشيء الكثير من الألوهة وهو ما استرعاني لفكرة ضربت مخيلتي، لماذا الإله بالعام يحب الحفاظ على ذلك الدم العذري إلا بسلطته فقط؟. في البداية ارتأيت الموضوع كأنه أقرب لآلهة وثنية، لكن لا، حتى الإله التوحيدي يريد عذراء تُفضّ بسلطته.

وضعت الكتاب الضخم جانباً، وأمسكت قلم رصاصها وبدأت بدفعه في ثقبها الصغير، كان ضيقاً لدرجة أصبح صعباً للدخول، لكن بدأ يلج تدريجياً. حركته مطولاً وبهدوء، وشاهدت وجهها وهي تغط في سبات طويل، كان يختلج ويتغضن كأنّ في حلمها هناك من يُشعرها بالقسوة.

الحلم يُبنى على تأثير الواقع.

حركات صغيرة وبدأ الدم ينساح خيطاً على فخذيها. تركتها وألبستها أرديتها وغادرت، عندما استيقظتُ صباحاً على صوتها وهي تزعق بأنها قد فقدت عذريتها.

خرجت من غرفتي وجلست إلى طاولة الطعام، عندما شاهدت عين والدتي وهي ترمقني بنظرة تأنيب شديد، لكنها لم تُعلّق اتجاهي بأي شيء سوى، أن استدارت إلى أختي وهي تسير ناحية مطبخها لتصنع فنجاناً من القهوة وتقرأ في كتباها المفضل بعد ذلك:

إنه بعض دم. مهبلك ليس الأندلس يا عزيزتي لتحزني على الدماء المهدورة.

(5)

هكذا جعلت أختي غير عذراء، لكن كلام والدتي، لا يحتمل منطقاً، على الأقل في سياقه الأدبي، وربما الفكرة بأسرها غير منطقية ليقرأها أحد، لكن ما هو المهم في كل ذلك؟.

لا وجود لمغزى حقيقي من كل نقد يمكن أن يكون في أسطر الأشياء التي نقولها ونكتبها. من هو الذي ينتظر نصاً عقلانياً وبلاغياً ومنمقاً وذو فائدة؟.

حسناً. فلننهِ القصة بجواب يناسب الذائقة الفنية، النقدية والقرائية.

عندما صرخت أختي حول فقد عذريتها وهي تجهش بالبكاء، ركضت أمي محاولة ستر فخذي ابنتها التي فقدت أعز ما تملك في هذه الحياة، وبدأت لحظة انتحاب مطول وخوف حول فكرة الابنة العاهرة. خوف لم يعد له وجود الآن في عالم مليء بالسخافة والحُمق، لكن يجب علينا أن ننهِ القصة بطريقة تراجيدية بلهاء.

أمسكت أمي أختي وسحبتها ناحية الغرفة لتجد حلاً لتلك المصيبة التي غن علمها أبي، فسيكون كل شيء أشبه بموت على رؤوس الأشهاد.

نظرت ناحية النافذة ورأيت انعكاس صورتي المشوهة عندما كُتب على الزجاج بضع كلمات بحركة خَفيّة:

لقد كذب والدك. أنت الطفل الأول.

A-Ile Self-hallucination
14 / January / 2020