العنف صورة إنسانية مكبوتة

إنّ امتلاك قليل من العقلانية والشرط الإنساني في التعامل داخل المجتمعات، يقدم لنا مليارات من النماذج الواقعية، أصحاب التطلعات الحقوقية والتنظيرية والسلوكية كحالات مضادة لمفهوم العنف في كافة المناحي، ومع ذلك ما زال عالمنا اليوم هو أسوأ نوع يمكن لنا مشاهدته في تفاصيله العنيفة. العالم بأسره مسالم، جميعنا ننبذ العنف وأي صورة تتجلى عنه، لكن لماذا ما زال حاضراً إذاً!.

الشرط الأساسي لظهور العنف هو التوهيم بالحق. بمعنى ولنأخذ أمثلة توضيحية بسيطة:

الزوجة التي لا تُطيع زوجها بتشريع سماوي وقانوني، يسمح من خلاله بمعاقبتها (بخلاف شكل العقاب، فيزيائي أو لغوي) هو توهيم بالحق الذكوري الجنسي على الكيان الآخر. والطروحات النيوليبرالية للسياسة والاقتصاد بأن ذكاءك يحقق لك شرطاً اجتماعياً أفضل هو نوع من توهيم الحق بأن غباءك تستحق عليه بأن تحيا بشكل اقتصادي واجتماعي أدنى، فالطبيعي إذاً أن يصبح الأغبياء (بالمفهوم النيوليبرالي) أكثر عنفاً. والأشخاص المنبوذون من العلاقات الاستهلاكية والسريعة لعالم مليء بالتغيرات اليومية، سيصبحون عنيفين لأنّ القانون الاجتماعي والثقافي يفرض على الأكثر تودداً وطاعة لحكم السلطات بأنهم يمتلكون الحق في الحياة والاستمرار والبناء توهيماً. وترسيخ الأيديولوجيات التصارعية بشكل عام تثبّت أقدام العنف في العالم.

ومع ذلك ورغم مليارات من البشر الذين يخوضون تلك النزاعات النفسية الداخلية بين الواقع وحقوقهم وممارساتهم، كثيرون منهم لا يلجأؤون نحو العنف بصورته المباشرة المعروفة. قد يمارسونه بفترات متباعدة نتيجة حالات شديدة من الغضب أو الضغط العملي للحياة لكن بالتأكيد ليس كتبنّي للظاهرة.

إنها حالة كبت الرغبة بالصراخ على هذا العالم الاستعبادي وتدميره كلياً مع قوانينه وسلطاته.

عندما انتشرت ظاهرة الهيبيز في أمريكا وأوروبا أواسط القرن الماضي، جفل العالم السياسي الدولي، وشعر بأن القيامة قد أزفت، ليس لأن هناك حراك مسلح أو حرب من نوع يموت فيها الجنود المجهولون، بل ببساطة لأن شبان اقتنعوا فعلياً بضرورة مقاطعة أي شكل من السلطة وآلاتها الاقتصادية والسياسية (حيث من شكّل الحركة أصلاً من الطبقات المتوسطة)، لقد تحولوا إلى عبئ سياسي واقتصادي على سلسلة كاملة من المستعبدين الذين يؤجرون الناس للعمل لديهم تحت اسم الوطن والحضارة والبناء والتطور.

كانت النتيجة القضاء على الظاهرة بأسرع ما يمكن، لأن الهيبيز كانوا يدعون إلى عالم مسالم دون عنف ودون حدود ودون قوانين للسياسة ومصالح السلطات، وهذا بطبيعة الحال أكثر خطراً على مفاهيم السلطة. فالسلطات لا يمكن أن تحيا وتتكاثر دون عنف، حتى وإن كانت خطاباتهم التوهيمية بالحق والحياة والبناء عكس ذلك.

إن البشر بطبائعهم ميالون لتنفيذ ما يُروّج له، لأن الإنسان لن يفكر إلا إذا شعر بالخطر الذي يهدد بقائه على قيد الحياة، فمن الطبيعي ألا يفكر أبداً، لأنه يعيش توهيم الحق، وبالتالي كبت نزعة العنف في داخله والتمرد.

إننا نتحدث هنا عن العنف كصورة يتم التحكم بها من القوى الأعلى في حياة البشر. يجب أن توقف العنف اللفظي أو الضرب ومحاكمتك بقانون دستوري إذا فعلت ذلك، لكنه يحافظ على حياتك، لكن عندما تمارس العنف ضد تلك القوى فلن يعود للدستور وجود، تصبح مهمة إبادتك واجباً سلطوياً سياسياً واقتصادياً داعماً ودينياً تنظيرياً للتهدئة. ستتحالف عليك كل القوى لإبادتك.

في عالم اليوم تغيرت الأشكال والمعطيات، فما نشعر به من عنف يمكن أن ننفذه على الأرض، يجب أن يُفرّغ بطريقة أكثر سلاسة ويتم من خلاله تشويه الإنسان بنيوياً وتحويله إلى آلة عمل فقط لا تفكر وتستمرئ إذلالها.

إننا نميل إلى أفلام العنف والقتل والرعب الدموي لأنها بوضوح تفرّغ القهر الاجتماعي، ويمكن أن نشاهد أسوأ أنواع أفلام البورنو لأنها تحقق نزعة العنف الجنسي الذي لا يمكن فعله في الحياة. ويحق لنا أن نثور كآخر محاولة للعنف ضد الواقع، لكن أيضاً ثوران بالشرط العسكري (الدموي، التفريغي للعنف، والتدميري للإنسان) وليس بالشرط الثقافي التوعوي.

إن محاربة ظاهرة العنف لا يمكن أن تتم بالشروط الدستورية والقانونية، لأنها بالأصل لعبة السلطات من خلال التحكم بها وبالأناس الذين فيها.

لا تُحلّ ظاهرة العنف بأن يشتم أحداً شخصاً آخر، فيتم رفع دعوى من الأخر على الأول قانونياً، لأن جذر العنف ما زال راسخاً في الذات. فهناك شكلان للشخص الأول عليه اتباعهما ببساطة ووضوح، إما أن يرضخ للقانون ويدفن عنفه وازدراءه للعالم ويصبح مواطناً طيعاً ومؤدباً، وإما أن يبقى غاضباً من العالم وبالتالي نفيه ببساطة، وحينها لن يكون لديه خيار سوى أن يصبح أكثر تشدداً وتطرفاً ويعيث فساداً في كافة أرجاء الأرض، مع تحكّم السلطات ومعرفتها الكلية بتحركات ذلك الشخص ومن معه.

إن محاربة ظاهرة العنف في العالم لا تتم إلا بإنهاء السلطة في أي مكان، تدميرها كلياً مع جميع مؤسساتها وداعميها (وليس التدمير بالضرورة أن يكون بالعنف، بل تدمير مسالم بالتوقف عن أي علاقة مع السلطة)، وغير ذلك لا يمكن إيقاف العنف. جميع المؤسسات الحقوقية والدولية والإنسانية في تعاملها وترويجها للتخفيف من العنف ليس سوى نوع مشابه لما تمارسه الشرطة في تفاوضها مع خاطفين لرهائن وهم يسرقون بنكاً، تمديد وقت التفاوض إلى أن تحين لحظة الإبادة.

العنف (كصورة مصغّرة، الغضب) ليس سوى نزعة فطرية وطبيعية في الكائن الحي، لكن مع الوعي (ما نسميه وعياً إنسانياً وحضارياً) يمكن التخلص منه عندما يكون هناك عالم كامل لا يوجد به من يؤجج نار الغضب تحت اسم الأيديولوجيات والأديان والثقافة والوطن.

عندما نستطيع أن نميز الفرق بين ما هو حق وبين ما هو حق توهيمي، نستطيع أن ندفن العنف وممارسيه للأبد.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.