الصمت كمقاومة وحضور فاعل

بشكل شخصي، كثيراً ما يصفني البعض في لحظة صمتي حول نقاش دائر، بأني لا أملك رأياً، أو بأن هذا الرأي أضعف من أن أتصارع به مع الآخرين. لكن المسألة هو وصولي إلى قناعة قد تبدو غير مجدية في هذا العالم المليء بالآراء المختلفة، ما الفائدة من كل الجدل إذا كانت نهايته، بقاء كل شخص على ما هو مقتنع به سابقاً في ثقافته! وبالأخص عندما يكون الجدل في مسائل ذات خطوط حمراء، أي النقاش فيها يُعتبر من المحرمات.

بالتأكيد لا نتحدث عن مواضيع يومية يمكن أن نختلف فيها، من طريقة سلق البطاطس، أو فساد الإدارة في منتخب الأرجنتين، أو تفضيل الموسيقى اللبنانية على العراقية، أو تفضيلك لأفلام دافيد فينشر على أفلام كريستوفر نولان. فهذه حريات شخصية، وغير مهم تعديل وجهات النظر فيها، ولو أن هذه الأمور بالنسبة للبعض تشكّل كارثة وجودية.. فكيف لا تعترف بأهمية وروعة المنتخب الألماني مثلاً، أو كيف ترى نولان مخرجاً جيداً وليس عبقرياً. وكيف لا ترى دنقل مظلوماً شعرياً مقارنة بدرويش. وكيف لا تأكل السمك مع البطاطس. وكيف ترى يونسكو أهم من بيكيت!.

وكثيراً ما تنتهي هذه النقاشات البسيطة بتعليقات تحمل دعابتها المضحكة، فتزول مع الأيام وبقاء كل شخص على ما هو مقتنع به؛ لكن في جانب آخر من النقاشات يصبح الصمت ضرورة وواجب أخلاقي.

قد يُوصف هذا الصمت كحالة انهزامية، وقد يتفق المختلفون حول موضوع ما بالاتحاد أحياناً لمهاجمة صمتك، لأنك لا تدخل لعبة الجدل الفارغ وإهدار الطاقة، ويتم النظر لحالة الصمت، كفعل سلبي متعجرف وانتقائي. حالة التهجّم على الصمت، أشبه بتطبيق لمقولة تهكميّة: “تحادثني لتنتصر. لا أجيبك فتنتصر. انتصرت وأنا الخاسر. ماذا يعني كل ذلك!”.

لكن حتى هذا الانتصار لا يُشبع غرور المجادل. يجب أن يُغرقك في مستنقع الاستفزاز ورفض الرأي كي يكون لديه حجة لرفع نسبة الأدرنالين في الدم وتبرير مستوى التعنيف اللفظي بأفضل الأحوال. تبرير للرفض وإثبات قناعته المؤدلجة كحقيقة لا جدال فيها.

وهنا نتحدث عن القناعات الفلسفية الكبرى والراسخة، كالإيمان، الجنس، الحرية، الخ. هذه القناعات التي يأتي تعديل جزء بسيط منها، أو الجدل فيها قد يؤدي إلى مجازر دموية، تظهر من خلالها في بعض المجتمعات بأسوأ صورة ممكنة. تعارُض بعض هذه الرؤى لدى البشر قد يجعلهم أكثر جنوناً وهذياناً، حتى تعبير الاختلاف في الرأي ومبدأ الحرية الشخصية، يسقط كلياً أمام هذه التابوهات الجدارية الضخمة.

لذا فكثير من الأحيان يكون الصمت في حضور هذه الرؤى واجباً أخلاقياً.

في آخر أعمال ميلان كونديرا “حفلة التفاهة”، يجسّد كونديرا تاريخه الفكري وتجربته الإنسانية والعقلية، بجملة تأتي في سياق العمل، حيث يقول: “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغيره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد”.

الصمت بطريقة ما في مجرى الجدل المؤدلج والعقائدي الذي يغرق في مستنقع شوفينية النقاش وعنصريته، هو بمضمونه تعبير كونديرا، حول عدم جدية هذا العالم. إنها المقاومة الوحيدة الممكنة في عالم ممتلئ بإثبات الحق عند الجميع وصراعاتهم القومية والإثنية والثقافية.

بالطبع ليس المعنى هو الاستسلام لجموع الموت الذي يأخذنا بعقليات الأيديولوجيا الراسخة نحو الانهيار، لكن أن نفهم عميقاً بأن حريات البشر هي الخط الأحمر الوحيد. فالصمت في كثير من الأحيان هو خير من الجدل.

إن اقتناعنا المطلق بأن لا شأن لأحد بأي أحد، لا على المستوى الاجتماعي ولا بالنسبة للمفاهيم والفلسفات، هو فقط من يصنع عالماً أفضل وأكثر سلماً. لا أحد يمتلك الحقيقة، ولا يحق لأحد أن يفرض قانونه الأيديولوجي الخاص على أحد.

قد يبدو تعبير الحريات لشخصية ضمن هذا السياق نوعاً من انهيار للمنظومة الحضارية للمجتمعات ككل، ودعوة لعدم الخضوع لقوانين تنظّم حياة البشر من وجهة نظر القوى السياسية والاقتصادية المتحكمة بحياة الأكثر بؤساً، في إنتاج قوانين لاستغلال الناس.

لكن تفعيل الجدل بين الناس في المسائل الحسّاسة هي فعلياً أحد أهم منتجات القوى المسيطرة والمستغلة للإنسان المعاصر. فكلما كان هناك عدد أكبر من المتخندقين والمجادلين لتحقيق نزوعهم الجمعي في إثبات ثقافتهم وعقلياتهم، كان ذلك أفضل في تسريع وزيادة ثراء القوى الاقتصادية من خلال التنافرات الاجتماعية التي تخلق شرخاً معرفياً على كافة المستويات، مادية وميتافيزيقية، فتأتي عملية إصلاح هذا الشرخ المعرفي بوساطة القوى الاقتصادية والسياسية، لتثبيت أنفسهم وزيادة سيطرتهم على كل مناحي الحياة.

إن عملية الجدل بالمسائل الكبرى ليست سوى نوع من أنواع التضاد والصراع الذي يخلق فوارق مجتمعية وثقافية ونسب عالية من الكره، والتفوق الوحيد يكون للأناس المتفرجين والمسيطرين على البشر.

لذا فعملية الصمت اتجاه الجدل مع الناس المنسيين من التاريخ، حيث جدالاتهم ليست سوى محاولة إثبات وجود دون أن يهتم أحد لهم، هي الطريق الأفضل لتوجه الجدل مع القوى الأعلى. عدم إهدار الطاقات والتفكير في تفنيد آراء لا تؤدي سوى إلى خلق ضغينة بين الناس دون الوصول لشيء.

إن كان لا بد من جدل، فهو مع السلطات الأعلى بكافة أفرعها، تفنيد الجوهر السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إفراغ مفهوم السلطة من محتواها وليس إهدار التفكير في نقد الناس لبعضهم البعض.


Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.