انتقائية الأخلاق.. عدالة الراهن وأفق النسيان الثقافي

لكل بيئة اجتماعية على هذا الكوكب، ولكل حضارة مضت أو ما زالت قائمة، رؤيتها الخاصة اتجاه مفهوم الأخلاق وشذوذه، ولها دساتيرها التي تُعتبر بمثابة التشريع المُطلق للسلوك الإنساني، لكن في كل تلك البيئات والحضارات التي نتجت عنها الأديان والفنون والعلوم، موقف أخلاقي موحد ويشمل الجميع، وهو الموقف من الظلم والطغيان؛ وبرغم أن الموقف من الظلم يتبع تلقائياً لمفهوم العدالة الذي ينتج في كل بيئة بحسب ظروفها ووعيها، إلا أنّ العدالة فعلياً لا تفي المظلوم حقه، وذلك بسبب أن مفهوم العدالة يُخلَق من قوانين سلطوية اجتماعية واقتصادية، تسعى لوجودها وسيطرتها، لكن الموقف من الظلم هو إحساس ذاتي اتجاه الواقع والفكر، لذا يكون الموقف من الظلم بالنسبة للناس أشدّ تجذّراً للتعبير عنه وأكثر أخلاقية من العدالة. الإحساس بالظلم تجربة حيّة أكثر منها مفهوماتية كالمساواة والحرية.

على هذا تمثّل الحضارات والقوانين وعلى هرميتها الأديان، حالة الدفاع عن المظلوم كصورة أكثر روحانية وغيبية. فالقصاص الأرضي مثلاً في الأديان كصورة انتقامية لتحقيق العدل، لا يُلغي أبداً التعويض السماوي للمظلوم وإدانة الظالم، لأنه يعي تماماً أن العدالة لا تفي التجربة الحيّة والمباشرة بالظلم للإنسان، حقه.

على هذا النحو نستطيع تحديد أن الموقف من الظلم هو القيمة الأخلاقية الأكثر حضوراً ومبدئية في جميع أنواع الحضارات الإنسانية، أكثر من الإيمان والعدالة والحرية والحب باعتبارها أيضاً قيم أخلاقية.

لكن في جانب آخر تتجسد تلك القيمة كصورة متلاشية كلما أصبحت داخل التاريخ أكثر. كلما عدنا للتاريخ كانت إمكانية التصالح مع الظلم ممكنة بشكل أكبر بالنسبة للإنسان المعاصر، تصبح عبارة عن تجربة ذهنيّة محضة، ولا ترتبط بالواقع المحسوس إلا من خلال التخيّل.. لكن أليس هذا الموقف المتصالح مع الظلم التاريخي هو جوهر الشذوذ الأخلاقي للمبدأ نفسه! حيث يصبح تبرير الظلم التاريخي ذاك أكثر تفلسفاً ويخضع للتحليل الثقافي، باعتباره يجسّد وعياً بدائياً غير متطوّر من منطقنا المعاصر.

هذه النظرة التثاقفية اتجاه ظلم التاريخ تضعنا كأشخاص أكثر وعياً تحت مقصلة الشذوذ الأخلاقي والتبريري للوحشيّة.

ما فعله ويفعله بشار الأسد بسوريا الآن لا يمكن غفرانه أو مسامحته عليه، فإذا ما عدنا للتاريخ قليلاً، يصبح ما فعله ديكتاتور الأرجنتين فيديلا في السبعينيات من حالات اختطاف قسري، أحد أشكال التحليلات السياسية لدراسة المصالح اتجاه ذلك البلد، وإذا ما عدنا أكثر، فربما لا يشعر كثير من البشر بوحشية هتلر وستالين بقتلهم لملايين الأرواح، وقد ينظر البعض للمسألة باعتبارهما شخصيات كارزماتية تنضح ببعض البطولات اتجاه مفاهيمهما القوميّة، وإذا ما عدنا أكثر، قد ترتسم ملامح استعباد البلجيكيين للكونغوليين كنمط من أنماط الوحشيّة المبررة إزاء وعي كان ينظر للحياة كصورة أعراق، أو حتى مجازر الأسبان للهنود الحمر. كلما غرقنا في التاريخ أكثر كلما تحوّل الإحساس المعاصر بالظلم إلى تخيّل ودراسة.

قد يرى البعض المسألة باعتبارها مغالية قليلاً ومثالية بعض الشيء، لكن بنفس المنطق، أليس ما نشعره من ظلم في هذا العصر سيتحول بذات الشكل إلى نسق وعي قديم بالنسبة لعالم أكثر تطوراً، ويصبح إحساسنا الآني بالظلم جزء من دراسات ثقافية للعالم المستقبلي؟.

أي معضلة أخلاقية نمارسها على أنفسنا وعقولنا! أي تقطيع لإحساسنا بالظلم ذاك! وأي شذوذ أخلاقي للمبدأ الأكثر حضوراً في الثقافات العالمية داخل الوعي الإنساني!.

يتم دائماً الدفاع عن الذات اتجاه تهمة التصالح مع الظلم التاريخي، بحالة الإدانة لجميع أشكال الاضطهاد البشري، ورفضها رفضاً مطلقاً، ويحمل جزء كبير من العواطف الرثائية لدى بعض الناس، لكن كل ذلك لا يبرر طريقة فهمنا الشاذة اتجاه المبدأ الأخلاقي نفسه، والذي يخضع لاندماج الرؤيا الشخصية مع الأيديولوجيا المناسبة له.

شخصياً لا أدعو للتحامل على التاريخ وتجربته الحتميّة، لكن من المهم أن نفهم بأن معضلة الأخلاق بالنسبة للوعي المعاصر هي انتقائية بصورة واضحة، وهذا يضعنا أمام حقيقة بأننا دعاة نموذج أخلاقي مطلق، لكنه ليس سوى الصورة الأكثر براغماتية في الإنسانية التي ما زالت تصر على تعاطفها.

ونحن هنا لا نتحدث عن سلطات وقوى سياسية تتاجر بالتاريخ والحاضر فقط، بل عن وعي شامل للإنسان، عن الجزء غير الواضح في آلية فهمه وتجزيئه للمبدأ الأخلاقي اتجاه المعنى الأصيل والحقيقي للوجود البشري وهو الإحساس المباشر والواقعي بالظلم.

عملية التلاشي هذه للجوهر، إن كانت إزاء التاريخ أو حتى الحاضر، تؤدي إلى ظهور قيم ثانوية وكثيراً ما تكون اعتباطية ولا معنى لها، بل أيضاً قد تتحول تلك القيم الثانوية لتصبح سيدة في تجذير الظلم نفسه اتجاه أنفسنا والآخرين. وتتصدر القيم الثانوية واجهات حيواتنا، وتصبح هي المشرّع للسلوك، فيختلف فهمنا لمعنى الظلم، وتتحول إلى أكثر الأشكال انتقائية، بتآلفها مع القوانين الوضعيّة.

فمثلاً شعور الشخص الفقير بالظلم الحياتي، لا يستطيع فهمه بسبب آلية الاقتصاد التي تستغله، بل بالقيمة الأخلاقية المجتمعيّة التي تُغضب الإله إذا ما تجرّأ أحد في التمرّد على القيمة المتوارثة، ويقتنع بأن فقره هو بسبب غضب رباني ويجب إصلاحه من هذا المنظور. ويصبح فهم الظلم ليس حقاً بل تبرير ودفاع لخطيئة لا أساس لها.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.