No Mercy 2010.. العدالة من منظور شخصي لتحقيق الفاجعة المبهرة

ربما واحدة من أجمل التفاصيل في السينما الكورية، هي قدرة هذه الصناعة على اختلاق سرديات محمّلة دائماً بأفكار لإعادة إنتاج الواقع والذات بشكل ممتع للمشاهد، هناك دائماً تعبير واقعي عن الحياة والشخوص وأفكارهم ورؤاهم والنمطيات الاجتماعية، ورغم أنّ ما يُعيب أحياناً هذه السينما هو إغراقها في مشهديات العنف الدموي – وهو بطبيعة الحال ميزة السينما الكورية – إلا أنّ هناك بعض الأفلام التي نجت نوعاً ما، من هذه السرديات المفعمة بالعنف الدائم بسبب ودون سبب، وهذا الفيلم واحد من الناجين نسبياً ولو أنه محمّل أيضاً بسردية العنف التقليدية للسينما الكورية.

الفيلم من نوعيّة الذكاء المتبادل بين جهتين تتمثلان بالنسبة للوعي البشري الجمعي بالخير والشر، ولعبة التكنيك لجهة على حساب أخرى، لإعادة خلق معضلة العدالة والانتقام والرغبة في تحقيق مفهوم الألم الذي يُنتجه الفرد للآخرين لمجرد استعمال المعرفة بطريقة غير سليمة بالنسبة للذات ومصالحتها مع نفسها.

حكاية تسابق بين بروفيسور في التشريح الجنائي وبين قاتل في أكثر حالاته إتزاناً، يبحث عن تحقيق العدالة بطريقته الخاصة لمسألة عاشها في تاريخه وسببت له الكثير من المعاناة، وهي التي لن تتوضح إلا في نهاية الفيلم – كعادة الكوريين في صناعة المفاجأة النهائية – بغض النظر عن مدى الدهشة في النهاية، هناك حالة استغلال كلي من القاتل للبروفيسور خلال العرض، من دفع لتغيير الأدلة الجنايئة ومساهمة البروفيسور لإنقاذ القاتل من المصير الواضح وإخراجه من النهم الموجهة إليه.

طبعاً هذه السردية كثيرة الحضور في السينما العالمية، لكن عملية تنفيذها هنا هي الممتعة، طريقة تركيب الشخوص وتحولاتهم وحواراتهم البسيطة والعميقة التي توضّح رؤية القاتل في تعبيره النهائي عن فكرة المعاناة والألم الذي يحمله في حياته ولا يمكن تجاوزه بسهولة. وهو الفكرة التي يدور في فلكها الفيلم، في تحميل هذا الإحساس بالألم للبروفيسور، وهي النقطة التي تتضح بعد منتصف الفيلم، لكنه مع ذلك يبقى هناك حيز من غموض لا يتضح إلا في اللحظة النهائية.

الفيلم لعبة تكنيك وذكاء لتخزين وعي الإدانة الذي يمكن أن نزرعه بأيدينا في أكثر الاشخاص قرباً لنا دون دراية منّا، لأن هناك فكرة عدالة يجب أن تُطبّق من كائن قد يبدو انتقامياً للوهلة الأولى، لكنه حالة تجسّد فكرة الباحث عن اكتشاف الحقيقة ومحاولة تعليم الآخر هذه الحقيقة بأقسى أسلوب ممكن تخيله.

الفيلم يحمل خيوط رقيقة وخفيّة بين العدالة والمساواة والانتقام، إنه من حيث الفكرة أشبه بالمثال الكوري الأشهر Oldboy، لكن No Mercy فيه نزعة أكثر إنسانية وأكثر واقعية في تحقيق المشهدية السينمائية، وانفعالات الشخوص وبساطة فلسفاتهم تجاه أشياء طوّرت الكره في دواخلهم وجعلت بعضهم يمارسون خيانة المهنة بسهولة والتي أدت في النهاية لخلق تلك المعضلة التي انتهت بفاجعة مبهرة.

الفيلم رؤية للخطيئة الإنسانية بطريقة شفافة لدى البشر، ولو أنها تنفيذياً دموية، وتحديد عميق أيضاً لطبائع الأجهزة التقليدية من الشرطة والعاملين في المؤسسات، وآليات تفكيرهم وشخصياتهم الحمقاء، صراع للذكاء والبقاء والإنقاذ.

يمكن اختصار الفيلم في الجملة النهائية التي ظهرت فيه: “أتعرف ما هو أصعب من الموت؟.. إنه الغفران، لأنّ دفن الألم يستغرق وقتاً طويلاً للغاية لنتمكن من الغفران”.

الفيلم صورة للتوحش البشري الذي يتطور بشكل بطيئ وجميل ورومانسي رغم واقعه الدموي والقاسي، وربما ما يُعيب الفيلم بالعام هو تركيزه على شخصيتين بأداء مذهل ودوران الحبكة عليهما، على الرغم من حضور شخصيات أخرى مؤثرة لكن هناك نوع من التهميش والضعف الأدائي من البعض وهو ما أضعف عملية التنوّع في الحوارات وقفز في تطور بعض الشخوص بشكل سريع كشخصية الشرطية المبتدئة، تطور سريع بين المشهد الأول لها والنهاية كمثال؛ هذه التفاصيل أضعفت نوعاً ما السياق العام، لكن الفيلم بالمجمل حالة ممتعة ويستحق المشاهدة.

التقييم الشخصي للفيلم 7.5\10
Download Film From Telegram

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.