مافيا الفئران.. الكوميديا التراجيدية للثقافة النصيّة الجامدة

في القرون الوسطى، اجتاحت أوروبا ظاهرة الموت الأسود (الطاعون) وقضت على عشرات الملايين من الأشخاص. وبعد ستة قرون ما زال البشر يفسرون تلك الظاهرة بكل ما يمكن للوعي التقليدي حمله، أو أخذه إلى الجانب التخيلي الأكثر متعة، وهو أسطرة التاريخ. ببساطة يُقال أنه نوع من الغضب الإلهي اتجاه حالات الكفر البشري والخروج من سياقات الأخلاق. ويحلل العلماء بالمقابل أسباب الموت لفهم طبيعة المرض نفسه وآلية عمله في الجسد. لكن فعلياً ما الذي سبب انتشار الطاعون!. يمكن لنا الإجابة بطريقة مبسطة وتحمل جانبين مجتمعين، وهما التخيليّة والعقلانية، بأن ما سبّب ذلك الاجتياح هو طقوسية الوعي الديني للمجتمع. إنه ممارسة نُظم الأيديولوجيا التي تؤدي إلى إخلال بنظام الطبيعة.

إن الذي حدث في أوروبا القرون الوسطى، هو الصورة الأكثر Tragicomedy، والتي تجسدت على النحو الآتي:

في القرن الرابع عشر أعلنت الكنائس الكاثوليكية، أن القطط هم حراس للشيطان وأدواته، وعليه يجب التخلص منهم. ما جرى هو إبادة شنيعة لهذا النوع الحيواني، فأصبح حرقهم بالنار وسلخهم أحياء وصلبهم، هي مهمة إيمانية، يجب على الجميع ممارستها وفي كل مكان. يكفي أن تشاهد قطاً لتعلنها حرباً وتكسب خطوة اتجاه النور الفردوسي. الأمر برمته أنه بعد أعوام من تلك الإبادة، ارتدت الفئران بدلات المستقبل من طراز سان لوران، ووضعت نظاراتها الشمسية، واتخذت دور المافيا، لتنشر الرعب في جموع الأوروبيين. نشرت موتها ببساطة لأن منافسها التقليدي في إكمال دورة الطبيعة، قد سُلخ حياً وصُلب بأيدي المؤمنين.

رغم قسوة الموت وبشاعة الصورة، إلا أن ما جرى لم يكن سببه سوى الجهل والقوانين الوضعية. إنها تفاسير أولياء الله على الأرض، وتحكّم أولي الألباب بعقول البسطاء، الذين لم يفهموا عمل منظومة الحياة والطبيعة، لأن البحث عن السلطة والاستمرار هو الهدف الأسمى لكيانهم الديني والسياسي.

لكن مافيا الفئران رغم دمويتها التاريخية، قدّمت بالمقابل دليلاً عقلياً وتأملياً للأوروبيين، أن كل هذا الموت السريع والكاسح للبشر، يمكن أن يكون له تفسيران، إما أن الإله غاضب وعليه يجب على أولياء الله أن يقدموا حلاً لمرضاة الإله كي يوقف موته على الإنسان، وإما من يدعون صلة الوصل بين الله والإنسان هم عبارة عن كاذبين فاشلين. وبطبيعة الحال وقفت الكنيسة عاجزة عن محاربة المافيا الفئرانية، ولم يعد أمام الأوروبي سوى مجابهة الحقيقة المؤلمة، أنهم خلال ألف عام كانوا مخدوعين بوهم أولياء الله. ولا بد من إيجاد تفسير واضح ومنطقي وعقلي بحت لما يجري دون مساندة من الكنيسة. مافيا الفئران فجّرت عصر النهضة الأوروبية وزلزلت سلطة الدين الكنسي وقوانينه الوضعيّة وقلبت تاريخ العالم الحديث رأساً على عقب.

بكل تأكيد ليس هذا السبب الوحيد للثورة النهضوية، هناك الأسباب الاقتصادية لمعابر إيطالياً، والرحلات البحرية للبرتغال والأسبان، وزلازل التمرد على النمط الإقطاعي في المقاطعات الفرنسية والنمساوية، وصراعات التوحيد السياسي في أجزاء متفرقة من أوروبا، وانتشار الطباعة والترجمات .. الخ، لكن كل ذلك هو تحصيل فعلي عن لحظة التأمل العميق بفلسفة موت ثلث أوروبا، التأمل في معنى قيمة الحياة ومفهومي الخلود كفردوس وجحيم.

تجربة الموت الأوروبي نقلته إلى مكان آخر، مكان أكثر علمانية وتطور وفهم وإدراك مشبع بتفاصيل الحياة والبحث عن معنى جديد لمفهوم الوجود. الخطأ الأيديولوجي البسيط للكنسية بمحاربة القطط، أدى إلى زلزلة العالم، وسقوط المفاهيم القديمة وجعلت الإنسان يبحث عن أهميته خارج إطار العبودية الطوعية.

لكن الغريب في المثال الأوروبي هو عندما نتأمل مجمل الأخطاء الكارثية لذات البعد الكنسي متجسداً في صنمية عصرنا الديني والسياسي، ووقوعنا دائماً في نفس حلقة الأخطاء المفرغة. نعود دائماً إلى الشكل ألامتحاني للغضب الإلهي دون محاولة تفسير عقلي. نقع في خطأ محاربة القمع والسلطة لنعيد تشكيل سلطة بذات الأبعاد الدينية المسيطرة بتفاسير لاهوتية وسلطات غيبية. إننا لا نستطيع فعلياً إيجاد البعد العلماني والمنطقي للتفكير. وهذا يحلينا إلى سؤال، هل الأوروبي أكثر ذكاءً من الشرق أوسطي ؟. قطعاً لا. إذن هل نحتاج تجربة موت اكتساحي للطبيعة كي نفهم عملية الخروج من مشيمة الحضن الغيبي وتفاسيره، ليست الدينية فقط، بل غيبية التفكير والتحليل الأكثر مدنية وعلمانية في علاقتها المباشرة بالسياسة ؟ ألا تكفي تجربة الموت البشري المصطنع لنمارس قطيعة مع شكل الحياة الذي نشئنا عليه؟.

ما نحتاجه في بلداننا ليس النقد الديني الخجول وممارسة الصراع السياسي في استبدال السلطات، لأن شكل الدين هو شكل السياسية ذاته، من خلال عمل آلياته التفسيرية الغيبية، ما نحتاجه فعلياً هو عصر نهضة نُسقط فيه منظومة الدين المتجذرة مع السياسة، النقد الكاسح لكل تفاصيل حياتنا ومفاهيمنا وسلوكياتنا وعقلياتنا التقليدية، نقد كل الشكل القديم الذي عشناه وما زالت تردداته في العقل الباطن لنا تُرهبنا. وإن لم نستطع بعد كل هذا الموت الذي رافقنا وغيّر تفاصيل حيواتنا، أن نفهم أننا بحاجة ماسة، ليس لتغيير سلطة، بل لنهضة عقلية تحليلية ونقدية شرسة لأصغر تفاصيل أفكارنا وممارساتنا، فيصبح من الحري بنا أن نجلس وننتظر خطأ شبيهاً بخطأ كنيسة أوروبا، لترتدي الفئران حينها بدلاتها الداكنة وتبتسم بتهكم، لتنطلق وتنشر موتها الطبيعي على قوانين السلطات الوضعية والغيبية.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.