البخيل

(1)

قتلته، لكن المحكمة اكتفت بسجني عامين، ليس بسبب عبقرية المحامي فقط، بل بسبب أنه لم يمت بطعنات النصل الذي اخترق جسده خمس مرات. لقد أفاد تشريح الجثة أن سبب موته كان لأزمة قلبية قد واتته قبل أن يخترق النصل معدته في المرة الثانية. إذاً فقد أهدرت أربع طعنات مجاناً، وهذا كان سبباً كافياً لانتصاره عليّ حتى بعد موته.

ابتدأت قصتي في قتله ذات مساء  عندما ركضت من منزلي باتجاه منزله، رافساً الباب بقدمي، وصارخاً بشتائم لا يحتملها إنسان، بعد فوزه بالمسابقة المقامة لأبخل رجل يمكن له التواجد في الحياة. اتجهت نحوه ماسكاً إياه من عنقه وصادماً ظهره بالجدار وعيناي تمتلئ حقداً على فوزه، فصرخت فيه:

الآن يمكنك الاحتفال بانتصارك أيها القذارة المشتتة، يمكنك الانتصار وأنت تشعر بالنصال تخترقك. إن كنت تريد الحياة فعليك أن تخرج الآن وتخبر الجميع أنك لست أبخل مني.

نظر بعينين ملتمعتين وفاه بصوت منخفض ماكر:

أتعتقد أن البخل هواية يمارسها البشر! إن كنت تؤمن بذلك فأنت أحمق. إنها ميزة أصيلة تولد مع الإنسان وممزوجة بهوس فن إذلال الآخر. حتى لو قتلتني فإني أؤكد لك أنك خاسر بكلتا الحالتين.

في الغضب الذي كان داخل جمجمتي يغلي، لم أكن لأستطيع التركيز في كلماته أو معانيها. ما كان يهمني هو التخلص منه للأبد. أن أتخلص من الرجل الذي نافسني على انتصاراتي السحيقة لعشرة أعوام متواصلة في مسابقة أبخل رجل في العالم. من هو ذلك الكائن المقزز الذي أتى من مكان مجهول وانتصر عليّ دون دراية مني.

رفعت يدي وبكل قوة هبطت بالنصل ليخترق معدته، وعندما سحبت النصل من جوفه لأول مرة، تطايرت الدماء نحو الفراغ، وعيناه جحظتا وهما تراقبان دمه المنساح والمتطاير في الأرجاء. عندما وقعت عينيّ على عينيه خُيّل إليّ أنه نادم، لكن بعد تشريح الجثة فهمت تماماً ما كانت تلك النظرة.

من شدة انفعالي لم أدرك أنه مات، فأخذت بطعنه أربع مرات أخرى، لقد أهدرت في قتله، والآن أشعر بالغباء لأني لم أدرك بلحظتها أن ما شعرته ندماً في عينيه لم يكن سوى إحساس عميق بالبخل.

(2)

إني أبخل رجل في العالم، أو هذا ما كنت مقتنعاً به ومتفاخراً قبل أن يظهر ذلك الكائن من مكان مجهول.

أمتلك منزلاً صغيراً تُحيط به حديقة بها بعض الشجيرات، ولي خمسة أبناء. كان خلافي الدائم معهم هو تبذيرهم أثناء الخراء في المجارير. كنت أصرخ فيهم من أجل تربيتهم ألا يهدروا خرائهم وبولهم سدى:

ألا تفهمون. ما تفعلونه ستُحاسبون عليه أمام الله يوماً. هذا الخراء نعمة وأنتم تشعرون بالتقزز منه وترمونه في المجارير دون أن نعلم أين يمضي. من الآن فصاعداً من أراد التبول أو التبرّز فيجب عليه أن يتبرز في الحديقة الخلفية بجانب الأشجار. إنها سماد طبيعي. أيعقل أن اشتري سماداً صناعياً والله قد خلقنا وفي ذواتنا سماد طبيعي! أي كفر أنتم به.

للحقيقة كان أطفالي يشعرون بالخوف وخاصة بعد أن صرخت بهم في أحد الأيام بصوت عالٍ، فوقف ابني ذو الثلاثة أعوام وتبول بسرواله في مكان وقوفه من شدة خوفه. بالتأكيد لست أباً سيئاً، لكن تربية الأطفال على الحرص أمر مهم. لذا فقد عاقبته بشدة. أجبرته أن يتبول ويتبرز ثلاث مرات عند الشجرة التي بلا أوراق في الشتاء، ويمنع دخوله المنزل حتى ينفذ الأمر. بقي حينها تحت الأمطار والعواصف ثماني ساعات متواصلة بلا طعام أو شراب أو ملبس. ومن حينها تعلم أطفالي جميعهم أن يتبولوا مباشرة في الحديقة. حتى زوجتي كانت ترفع ثوبها وهي تفتح ساقيها الممتلئين وأنا أراقبها من خلف زجاج الغرفة وهي تدفع بقوة البول الخارج من شقها الكبير.

قد يبدو الأمر بالنسبة للبعض سيئاً، لكنه للحقيقة مثير جداً، ليس بالنسبة لي فقط، بل حتى بالنسبة لها. حتى أنها تحولت إلى كلب بافلوف، فأصبحت عندما ترغب بممارسة الجنس، تخرج إلى الهواء وتعرّض فرجها للصقيع حتى يتجمد تماماً ثم تدخل. كانت بعد تبولها والهواء العاصف الرطب يُصيب فرجها، تعود إلى الداخل وتتمدد فأضع عضوي بداخلها مباشرة مما يجعلها تشعر بحرارته في جوفها فيثيرها ويجعلها تطلق تأوهات مضاعفة وهي تشعر بالتجمد المحيط بفرجها بدأ بالذوبان تحت قوة الاحتكاك فيها.

إن أشد أنواع البخل قد يصبح أشد أنواع الإثارة في مكان آخر.

حتى أطفالي كان يشكرونني للمتعة القصوى التي أحققها لهم أثناء تناولهم الطعام. فخلال اليوم كاملاً لهم وجبة واحدة في العاشرة ليلاً. كانوا يأكلون بمتعة متناهية، حتى أن ابني الكبير سألني يوماً:

أسمع من بعض أصدقائي أنهم يأكلون ثلاث وجبات في اليوم، وأحياناً خمس. ومع ذلك لا يعجبهم الطعام.

ابتسمت في وجهه وأنا أسديه النصيحة العميقة:

بالتأكيد لن يعجبهم. لو كانوا يأكلون وجبة واحدة بعد إحساسهم المذل بالجوع، كانوا سيشعرون بلذة كل مضغة في أفواههم. ألا تشعر أنت بتلك اللذة؟.

أطرق رأسه دليل موافقة وابتسم.

(3)

قبل كل مسابقة من كل عام، تتغير استراتيجية البخل الخاصة بي. فقبل شهر من بدئها في شباط، نوقد مدفأة الحطب مرة واحدة كل أربعة أيام، ونتدفأ على ما يتبقى من وهجها في الغرفة، ويتحول الطعام إلى وجبة كل ثمان وأربعين ساعة، إضافة لعدم استخدام الكهرباء، ويحق لكل شخص من العائلة أن يشرب كوبين من الماء كل يوم. بهذه الاستراتيجية كنت لعشرة أعوام الرابح المطلق أمام البخلاء البرتغاليين، الأيسلنديين، الأرجنتينيين، والسنغاليين. لكن المنافس الدائم لي كان رجل من سيريلانكا، طوله يقارب المئة وتسعين سم، ويزن سبعين كغ. في السنة الرابعة للمسابقة كاد أن يفوز عليّ حقاً، عندما قدّم إثباتاته أن فواتير هاتفه لعام كامل لم تتجاوز عشرة دولارات أو ما يعادل تقريباً أربعة عشرة روبية، لكني كالعادة سحقت جمجمته الكبيرة تحت وطأة استراتيجيتي عندما قدّمت فواتير الكهرباء لعام كامل وكانت صفراً.

لكن ما جرى في المسابقة الأخيرة، حطمني للأبد.

كان ذلك عندما طُرق باب المنزل وظهر شخص قصير القامة بابتسامة بلهاء متفوهاً:

هل أنت أبخل رجل في العالم؟

نظرت عميقاً بعينيه وظننته مجنوناً للوهلة الأولى، فأجبته بالموافقة، ليستدير ويغادر بتمهل وهو يطلق ضحكاته في منتصف الليل متمتماً:

بعد خمسة أيام سنرى إن كنت أبخل رجل حقاً!.

ولم أره مرة أخرى إلا عند إعلان الفائز:

الفائز بمسابقة أبخل رجل في العالم لهذا الموسم هو ..

كنت واثقاً من أن اسمي سيُضيء، لكن كارثة أصابت دماغي عندما أُذيع اسم ذلك الكائن الأبله. أما كيف فاز فتلك هي قصته ..

(4)

قبل شهر من المسابقة، تم تشريح جثة زوجة خصمي المتوفاة، وأُثبت سبب وفاتها لأزمة قلبية وهي على السرير عارية.

عندما بحثت في تاريخه اكتشفت مقداراً من البخل لا يمكن لأمثالي حقاً أن يصل إليه. لقد تزوج قبل عامين، وفي ليلة زفافه نفّذ ما قيل له من أبيه، فأولج عضوه في فرجها وحركه طويلاً، لكن إحساساً بالنشوة كان أسرع منه، فقذف منيه في جوفها وبكى طويلاً لعشر ساعات متواصلة لأنه أهدر منيه المتشكل من دماء في خصيتيه داخل رحمها.

وبعد إدراكه للتجربة الأولى، كان حذراً كي لا يهدر منيه مرة أخرى، فكان يولجه فيها ويحركه طويلاً وعند إحساسه بالقذف يتوقف ويترك زوجته تعاني انهياراً عميقاً. لم يكن ليهتم بها، حتى وصلت في أحد الأيام أن ترجته طويلاً وقبّلت قدميه، فأشفق قلبه عليها، ودخل في جوفها. في تلك اللحظة كان يُسرع وهي على وشك الانتفاض، لكن إحساسه العميق بالهدر كان طاغٍ فسحب عضوه منها قبل أن يقذف، وقبل أن تصل إلى نشوتها، فانتفضت وهي ترتجف وأخذ جسدها بالازرقاق، وجحظت عيناها، وحاولت جاهدة أن تمد يدها إلى فرجها لتكمل نشوتها بنفسها، لكن شللاً أصاب قلبها وأوقفها عن الحركة. لم تصل يدها إلى فخذيها لتمزق وحش الغريزة الأزلي فيها، فتوقف قلبها عن الخفقان وماتت.

هكذا ربح خصمي المسابقة مني بعد عشر سنوات من الفوز المتواصل.

(5)

حقيقة تحطمت. هرس دماغي تحت وطأة البخل الأزلي لذلك الكيان، لم استطع قبول الهزيمة، فانطلقت لمنزله ووضعت نصلي في جوفه. عندما سحبت النصل تطايرت الدماء. تراجعت خلفاً، نظرت في عينيه وهما تراقبان انسياح دمه، اعتقدت أنه ندم، لكني مخطئ.

أغمض عينيه وبدأ يتهاوى، عندما ركضت مرة أخرى لأمسكه وأهدر أربع طعنات في جسده، لأتركه بعد ذلك يخر صريعاً داخل بركة الدم المنساحة من ثقوب جسده.

بعد تشريح الجثة وإصدار البيان أن سبب موته كان لأزمة قلبية بعد الطعنة الأولى، فهمت تلك النظرة تماماً. كان يحدق بالدم المتطاير من جسده، كان يشعر بالألم لإهداره الدم وليس لندم فوزه عليّ. حتى في لحظة موته تفوق ببخله على كل ما فعلته لأحظى بمثالية البخل في العالم.

أجل، البخل ليس طبيعة أصيلة فقط بل هي هوس فن إذلال الآخر.

A-Ile Self-hallucination
1 \ August \ 2018

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.