المتبوّل

(1)

إنّ ما جرى خلال العشرة أعوام الماضية، جعل البشر في مدينتنا تعيش الحذر اليومي والرعب غير المسبوق، فلم يعد الناس يسيرون فرادى، والجميع يلتزمون منازلهم عند غروب الشمس، وبالمقابل استنفرت كل أجهزة الأمن للبحث عن ذلك القاتل المجنون الذي خلق هوساً مخيفاً في قلوب الجميع داخل مدينتنا الصغيرة.

خلال عشرة أعوام، مات في المدينة أربعة آلاف وخمسة وثمانون شخصاً، قبل أن يقع القاتل في قبضة العدالة كما تُسمى. كان رجلاً في الخامسة والثلاثين، هزيل إلى درجة تشبه الأشباح، وفي وجهه ملامح براءة تنبثق من عينيه الكبيرتين، مع رمش سريع لأهدابه في لحظة شعوره بالخوف.

وخلال ذلك التاريخ بأكمله، لعبت الصحافة دوراً جريئاً في نشر الرعب المضاعف، فكانت الحوادث اليومية للضحايا تتصدر الأخبار في الصفحات الأولى، وأُطلق على القاتل فيما بعد اسم “المتبوّل”، فقد كانت الضحايا توجد بعد أن يتم توثيقها بربط اليدين خلف الظهر، وتثبيت أفواهها بأدوات معدنية تُجبر الضحية على فتح الفم على أخره، وابتلاع البول أو البراز إلى الجوف، مما يسبب موتها إما اختناقاً أو تسمماً.

وحار العلماء في اكتشاف الدوافع النفسية للقاتل ذاك وطريقته التي تحمل إهانة للجنس البشري، وبرغم الكثير من النظريات التي اجتاحت المدينة في اعتبار القاتل متسلسلاً، إلا أن كل الأدلة الواضحة تشير إلى عشوائية الفعل، فالضحايا متنوعون، نساء كبيرات، رجال مسنون، عجائز، فتيان، شابات عذراوات وعاهرات، أطفال رضع، ومراهقون. لم يكن هناك دليل واحد واضح على انتقام لفئة معينة، لكن في النهاية أثبت الجميع بأن القاتل يعاني أزمة اتجاه العالم، وربما فعل القتل نابع من رؤية دينية لاجتياح الفسق بحسب منظوره. وانتظر العلماء وأجهزة الأمن والناس أي تبرير أو حديث للقاتل بعد كم الاتهامات والتحليلات التي رافقت فعله، إلا أن شيئاً لم يُكتب مع الضحايا، ولا حتى دليل واحد يمكن لأحد الاستفادة منه.

مضت الأيام بطيئة وثقيلة على المدينة ومتشربة كل الخوف والرعب، وأصيب قادة الأمن بالجنون لعدم قدرتهم على حل ذلك اللغز أو اكتشاف ذلك الرجل الذي يترك ورائه شيفرة الـ DNA بكل أريحية ودون مبالاة. ولم يعد أمام القضاة والعلماء والأمنيون سوى حل واحد لاكتشاف القاتل بين سبعمائة وست وثمانون ألف شخص هم عدد سكان المدينة. فأصدر القاضي الأول قراراً يقضي بإخضاع الناس لتحليل شيفراتهم الوراثية ومنع أحد من مغادرة البلدة. وأخيراً ألقي القبض على القاتل في مستشفى عام، وُقُدّم للمحاكمة العادلة.

بعد القبض على “المتبوّل” تصدّرت عناوين الصحف بضجة كبرى، أن أزمة الرعب والموت التي لحقت بالمدينة قد انتهت للأبد، وأصبح “المتبوّل” بعينيه البريئتين تتصدر صوره كل الأماكن، من الصحف إلى الشوارع إلى واجهات المحلات، وتحولت المدينة الهادئة إلى مدينة صاخبة لا تهدأ ولا تنام، بانتظار تفسير وراء كل تلك الجرائم. وتمت مهاجمة مراكز الشرطة من قبل الناس مطالبين بتسليمه لأهالي الضحايا لينتقموا منه بشكل مباشر، وتشابكت الأحداث بين الناس والسلطات في المدينة، حيث ذهب ضحيتها خمسة عشرة مدنياً واثنان من رجال الأمن، وبدأت العلاقات تتوتر، إلى أن خرج المدعي العام ببيان مباشر، تحدث فيه بأن القاتل سينال جزاءه، لكن في البداية يجب فهم الدوافع التي دعته لذلك الفعل. بيان المدعي العام أهدأ ثورة الناس تقريباً، وحُدّد الموعد الذي ستتم فيه استجواب ومحاكمة القاتل بشكل مباشر داخل قاعة المحكمة بعد اعترافه بكل تلك الجرائم.

(2)

في اليوم المحدد اجتمع أكثر من مئة ألف شخص داخل القاعة الكبرى للمحكمة وعلى أبوابها وخارجها أيضاً، وحُشِدت أعداد ضخمة من رجال الأمن بعشرات الآلاف لمنع أي محاولة للغضب والانتقام أو قيام البعض بأفعال طائشة. وابتدأت المحاكمة بلسان القاضي وهو يقرأ من أوراق أمامه قبل أن يرخي يديه وينظر في وجه المتبوّل متسائلاً:

ما رأيك في التهم المنسوبة إليك، هل أنت مذنب؟

رمش المتبوّل سريعاً وعيناه تشعان ببراءة منقطعة النظير:

أجل.

همهم القاضي ثم تفوّه:

حدثنا عن أسباب فعلك ذاك؟

زاغت عينا المتبول في أرجاء المحكمة والصمت ساد على وجوه الجميع، فالكل يريد معرفة ما جرى، فبدأ المتبوّل حديثه بهدوء وارتجاف:

بدأ هذا الأمر قبل عشر سنوات. كان يوماً صيفياً عندما استيقظت بعد منتصف الليل مرعوباً ومتعرقاً من جراء حلم راودني. لقد سمعت صوتاً في نومي يقول لي: “إياك أن تتبول بعد اليوم، إن تبولك سيغرق العالم”. لكن عندما هدأت نفسي وأنا جالس في السرير لم أكترث كثيراً للأمر، وقلت أن الأمر كله ليس سوى حلم سيء. ونهضت من سريري متجهاً إلى الحمّام بعد أن شعرت بامتلاء مثانتي. وهناك بدأت أفعل ما يفعله كل إنسان، لكن فجأة بدأت المجارير تُخرج البول الذي أخرجته مني مع كل البول القديم الذي ذرفته في ذلك المجرور، وبدأ الماء برائحته النتنة وقطع البراز المتحللة تطفو تدريجياً في المنزل، وراودني ذلك الصوت داخل عقلي وهو يصرخ ويعيد: “لا تتبول بعد اليوم، إنك ستُغرق العالم”. وفقدت الوعي بعدها، وعندما استيقظت رأيت نفسي ممدداً داخل الحمام وقطع البراز والبول على جسدي بأكمله. وعرفت حينها أن الأمر ليس حلماً. لم أكن أريد أن يغرق العالم، لم أشأ أن أؤذي أحداً. لذا لم يكن أمامي من خيار سوى أن أتبول داخل مكان يحتفظ في البول للأبد، شيء متماسك وقوي لا يتسرب منه أي ماء نحو الخارج. أجل لقد قتلتهم فقط دون أن أقتلهم، كنت أريد إنقاذ العالم من الغرق.

وتوجه المتبوّل نحو أهالي الضحايا في قاعة المحكمة مكملاً..

ضحاياكم إنسانيون وهم ينقذونكم من الموت. لقد أنقذوا العالم من الموت الأكيد. كنت حزيناً عليهم وفرحاً بذات الوقت. لقد ابتلاني الله بأمر خارج إرادتي، وما عساي أفعل غير ذلك. لقد حاولت مرة أن أتبول داخل قطة أو حيوان آخر، لكن الأمر أصعب بمئات المرات. إن الحيوانات كائنات شرسة ولا تملك وعياً إذا ما هددتها بسلاح ما. إن قطاً أو كلباً لن يستوعب إذا ما رفعت مسدساً لتجبره على فتح فمه أو ربط يديه. سيقاتلك حتى آخر رمق، إن الحيوانات كائنات لا تفهم أزمة العالم، لذا فإنها لا تساعد، بينما الإنسان قادر على الفهم والخنوع والمساعدة وتقبل مصيره طواعية إنقاذاً للعالم من الغرق. لست قاتلاً، كنت أخشى عليكم من الموت غرقاً، كنت أحميكم من المصير الذي ابتلاكم به الله وابتلاني به.

عند ذلك الحد نهض أحد العلماء الجالسين في المقاعد الأمامية طالباً الإذن بالحديث إلى القاتل خلف القضبان، عندما أذن له القاضي:

لقد قلت أنك بحاجة لشيء متماسك وقوي لا يتسرب منه ماء نحو الخارج!.

أجل.

سار العالِم في القاعة وذهب إلى طاولة رافعاً زجاجة فارغة نحو الأعلى:

ألم تفكر أنه بإمكانك أن تتبول في زجاجات مثل هذه؟ إنها صلبة، متينة، متماسكة، ولا يتسرب منها الماء.

نظر المتبوّل بعينيه الكبيرتين نحو الزجاجة المتلامعة والعالية بين يدي العالِم، كأنه يراها لأول مرة:

الزجاج لا يفهم معنى الخير. لا أعتقد أني ابتُليت إلا لهدف معرفة الإنسان لخيره.

لا مزيد من الأسئلة. شكراً سيادة القاضي.

قال العالِم ذلك وجلس في مكانه ووجوه كل من في القاعة ترنو بصمت مطبق صوب المتبوّل بعينيه البريئتين وهو يقف بهدوء خلف القضبان الحديدية.


1 Comment

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.