موسيقى السجناء العبيد.. سردية مختلفة عن المفهوم

إنّ التاريخ معقّد إلى درجة أنّ الناظر إليه بايديولوجيا مسبقة، دون البحث في تفاصيله، قطعاً سيصل إلى تأويلات خاطئة وبالتالي إلى نتائج كارثية تتوارث عبر الأجيال المتلاحقة وتصنع شرخاً معرفياً ضمن بنية العقل الواحد، وانسلاخاً عن المبدأ البشري والمنطقي لصناعة هذا التاريخ، أن الثقافات والحضارات تتوالى وتمتزج لدرجة عدم القدرة على الفصل بينها. وبالطبع أي فئة تعتبر نفسها هي صانعة الحضارة والتاريخ، ستصل إلى مرحلة الانتهاء من الوجود عاجلاً أم آجلاً، لأنها ضد المنطق الطبيعي والسليم للحياة.

ربما كانت هذه المقدمة ضرورية نسبياً كي تكون فاتحة لمناقشة مسألة تخضع لهذا المنطق التواصلي في الحضارات، وباباً لمناقشة تساؤل مشروع، وهي ستتجلى بقسمين، الأول هو حول تاريخ موسيقى البلوز وجذورها، والثاني – الذي سيُبنى على الاستعراض الأول – وهو حول الجذر الحقيقي في الموسيقى التي نشأت مع الإسلام.

في العصر الحالي، رغم اتساع رقعة التمازج الحضاري السريع، يرفض الإسلاميون التقليديون، من منطق تحريمي سماوي أو من مبدأ أخلاقي اجتماعي، يرفضون بشكل عام أي نوع من أنواع الموسيقى الغربية، على اعتبارهم أنها تدلل على انحطاط الغرب وترويجهم للتفاهة وللقيم الإباحية، وإن كان هذا الكلام صحيح نسبياً بالنسبة لبعض أنواع الموسيقى (كالبلاك ميتال) الحديثة، إلا أنّ العقل التقليدي لدى البعض، يُطلق ذات الأحكام على أي مُنتج غربي دون البحث في تاريخيته، كرؤيتهم مثلاً أن الكلاسكيات ترتبط بالجنون، والجاز يرتبط ذهنياً بالخمر، والراب يخضع لرفض أولي الألباب، وبالطبع منها ما أُطلق على موسيقى البلوز (Blues) اسم موسيقى الشيطان.

تعتبر موسيقى البلوز الجذر الأساسي لكل أنواع الموسيقى التي انتشرت في العالم الحديث، فمنها تفرّع الجاز، وبلوز الغيتار، والروك آند رول، حتى أنها أثرت بطريقة ما في مفهوم أغنية الراب كتعبير لغوي عن الاضطهاد وقمع الإنسان، وإن كانت تلك الأنواع تطورت عبر التاريخ وأخذت نسقاً خاصاً بها، إلا أننا لا نستطيع إلغاء ذلك الجذر لما يحمله فعلياً من إشكالية تكشّفت عنها الدراسات الحديثة.

في عام 2004 نشر جوناثان كوريل مقالاً، حول نظرية عالمة الأنتربولوجيا الفرنسية، سيلفيان ديوف، المتخصصة بالشتات الأفريقي، حيث قدمت أطروحة حول العلاقة بين البلوز وأفريقيا، وبعدها انتشر نوع من الجدل حول تلك الفرضية، التي تقول بأن موسيقى البلوز تحمل الجذر الإسلامي، وكانت فرضيتها تعتمد على ترتيل موسيقي كان العبيد الأفارقة الذين نُقِلوا من أفريقيا إلى أمريكا في القرن الثامن عشر يرددونها أثناء العمل في الزراعة لدى البيض، بأغنية (Levee Camp Holler) واستمر ترديدها حتى الحرب الأهلية الأمريكية، حيث كان الأفارقة ينقلونها معهم أينما ذهبوا، وفيها قدّمت ديوف فرضيتها حول التشابه بين طريقة الأداء الأقرب للتجويد الإسلامي عند الآذان، في اللحن والنغمة وتحريك الحبال الصوتية بذات الطريقة التي كان العبيد يفعلونها. إن الآذان والأغنية لديهم نفس التحول في السلم الموسيقي. ورغم رفض العلماء والباحثين إلى هذه اللحظة لهذا الافتراض، إلا أنّ تلك الإشكالية فرضت نفسها بقوة في البحوث الحديثة.

بالإضافة إلى ديوف، قام أستاذ علم الموسيقى الألماني “فيرهارد كوبك” بترسيخ فرضية ديوف، أن النغمة المفردة لموسيقى البلوز مأخوذ من أسلوب الموسيقى الإسلامية التي انتشرت في غرب أفريقيا، فالنوتة المستخدمة في البلوز تعتمد على تراتيل متموجة تسمى “الملسما” وهي تعني نغمة لأكثر من نوتة تنطلق بدرجات لصوت واحد، أي بدل أن تطلق النوتة صوت واحد “آه” تطلق أكثر من صوت ممتد “آه-آآآه-آآه-آآآه”.

برغم هذه الأدلة بالنسبة لأي مستمع متمعن في الموسيقى الأصليّة للبلوز “مرحلة السجناء العبيد” قبل تطورها إلى الشكل الحالي (مع احتفاظها لنوعية الترتيل في الحبال الصوتية والارتعاش)، ما زال الرفض قائماً من قبل جهتين: الغربية التي لم تستوعب فعلياً أن التاريخ الإسلامي يمكن له أن يحمل ذلك الانفتاح الموسيقي، باعتبار أن الرؤية عن المسلمين هي حالة تقليدية منغلقة. والجهة الثانية هي الإسلام التقليدي الذي يرفض ذلك النزوع التحرري للإسلام باعتباره دين خشوع وليس انفلات أخلاقي. وبرغم تخلّف الحالتين فإن الجذر الإسلامي للبلوز لا يمكن محوه، ليس فقط لما  قدّمته ديوف أو كوبك من نظريات وأدلة، بل أيضاً لذلك المزيج الخاص بين الموسيقى الأفريقية الأصيلة واتساع الرقعة الدينية في القرن العاشر في غرب أفريقيا.

لكن ما أثار اهتمامي بشكل شخصي في هذه المسألة ليست البحوث فقط، بل مسألة الإيقاع في موسيقى البلوز “السجناء” قبل أن تتطور، وهو ما استوقفني، ليست فقط كدلائل عن التجويد الإسلامي والتراتيل الصوتية، بل إيقاع الضرب المرافق كثيمة في كل الأغاني واستخدام مسافة التوقف في تلك الثيمة التي نلاحظها موسيقياً في العصر الحالي الشبيه ما يوجد لدى طائفة الشيعة. وهو ما سنتوقف عنده كتساؤل حول جذور الموسيقى الإسلامية.

في عام 1994 تم إصدار ألبوم موسيقي بعنوان (Negro Prison Blues & songs) لباحث موسيقي أمريكي مختص بعلم الأعراق الأمريكية (American ethnomusicologist) يُدعى (آلان لوماكس Alan Lomax) وصُنّف الألبوم كـ (Folk, Acoustic blues). وفي ذلك الألبوم المكون من 23 مقطوعة مسجلة لأغاني العبيد في أمريكا، استوقفتني تلك النغمات التي تحدثت عنها ديوف وكوبك من طريقة الترتيل الصوتي الشبيه بالأذان والامتدادات الشبيه بالتجويد والارتعاشات، وحتى بالكلمات التي تناجي الله من أجل الرأفة بحالهم كمستعبدين، لكن في تلك المقطوعات نلاحظ ذلك الإيقاع الذي تحدثنا عنه آنفاً في أغاني مثل (No more, my Lord \ Old Alabama \ Rosie \ Early in the morning .. الخ) إن الأغاني جميعها تقريباً تحمل ذات الطابع الموحد من إيقاع الضرب. بالطبع ليست الثيمة قائمة على ممارسة ضرب الصدر كما يفعل الشيعة، لكنها تقوم على ضرب الأرض في عمل الزراعة أو على الآلة الموسيقية أثناء الاستراحة في الليل. إنها تستغرق فعلياً ذات الشكل من التوقف كهارموني لتعود كثيمة إيقاعية بين كلمات المناجاة.

المثير في هذه المسألة هو إن كان الجذر الأساسي للبلوز يقوم على إيجاد هارموني موسيقي مرافق للكلمات بثيمة الضرب بالفأس أو بالخشب لإصدار وقع نسقي معين، فالغريب هو التشابه الهائل مع الإيقاع الشيعي الحالي، وهذا يفتح أمامنا التساؤل السابق حول الجذر الموسيقي الأصيل في الإسلام، اعتماداً على مبدأ ديوف وكوبيك أن موسيقى البلوز هي جذر إسلامي إفريقي (مع الأخذ بعين الاعتبار تراثية افريقيا الموسيقية التي تقوم على الطبول، وتراثية موسيقى الإسلام الأول حيث انطلق من بلاد لا يوجد بها آلات موسيقية كثيرة، بل كانت تعتمد في أغلبها على التلحين الصوتي لطبيعة البيئة الشعرية في مجتمع الجزيرة، هذه الشعرية المغرقة في التاريخ المعتمدة أصلاً على موسيقية الشعر والأداء، لم تكن بها حاجة لتنويعات آلات كثيرة) إن ما هو معروف تاريخياً في صعود الإسلام الأول، ما كان يستخدم من آلات موسيقى الدف، وأشهر حوادثها هي استقبال النبي محمد في المدينة، وانتشار الإسلام يعني انتشار، ليس فقط مبدأ الصوت، بل انتشار الدف أيضاً. برغم أن العزف على الدف لا يأخذ تلك الثيمة الإيقاعية التي نحن بصددها الآن (ثيمة الضرب)، لكن أليس من المحير تلاشي ذلك الإيقاع عند طائفة وبقاءها عند طائفة أخرى!.

ما تدلنا عليه إيقاعات البلوز (موسيقى العبيد) أحد احتمالين: الأول هو أن إيقاع الضرب (الثيمة) هو جوهر الموسيقى الإسلامية، التي تُعتمد كمناجاة طقوسية للرب، والذي جعلها تزول من الانشقاق التاريخي للإسلام بين (السنة والشيعة) هو علمنة الاتجاه السني للدين كآداب وعلوم وفنون وسياسة وموسيقى، بينما بقيت لدى الشيعة تدور في حلقة المظلومية التاريخية وهو السبب الذي نشاهد ذلك الإيقاع الثيمي (الضرب) ما زال حاضراً في المناجاة الشيعية (وإن تم تحوير هدفها السياسي في العصر الحالي). وكانت عملية نقل الأفارقة في القرن السابع عشر وما يليه إلى أمريكا، هي عملية نقل الثقافة الإسلامية (الموسيقية على نحو خاص) التي كانت في أفريقيا، والتي لم تأثرت نسبياً بالصراع التاريخي السني \ الشيعي، فبقيت محافظة على أصالة الطقوسية الموسيقية لنشوء الإسلام الأول (باحتمالية أنه أثناء وصول الإسلام إلى أفريقيا، تم التأثر بموضوع الصوت وإسقاط موسيقى الدف للاستعاضة عنه بموسيقى الطبول التي هي تراثية الأفارقة). وهذا ما يبرر ثيمة الإيقاع (الضرب) في موسيقى البلوز (موسيقى العبيد).

أما الاحتمال الثاني فهو أن الثيمة الموسيقية (إيقاع الضرب) في البلوز ناشئ عن عملية تواصل العبيد يين بعضهم كلغة خاصة في العمل كتعبير عن روتينية الاضطهاد الذي عانوه، وتم استقدام تلك الثيمة عبر العالم نتيجة اتساع الموسيقى ووصلت إلى جزء من الحالة الإسلامية المتمثلة في (الإيقاع الشيعي) كتعبير عن ثيمة اضطهاد شاملة وجدت الطائفة في ذلك الإيقاع مشابهات مظلومية تعبر عن الانعتاق من الذنب التاريخي لديهم، وعلى هذا تكون إيقاعات الضرب الشيعي هي حديثة نسبياً.

وبرغم أن ثيمة الضرب الموسيقية، التي نتحدث عنها، قد تبدو محض افتراض دون دلائل قطعيّة عليها سوى الإصغاء إلى موسيقى البلوز الأساسية (السجناء العبيد) إلا أن ذلك الإيقاع ليس غريباً على أي شخص شرق متوسطي. قد لا يملك دليلاً عقلياً عليه، إلا أنه يعلم بالحس الضمني صحة الإيقاع.

وبكل الأحوال إن كانت تلك الثيمة (الضرب) قد نشأت في صدر الإسلام الموسيقي وانتقلت مع الأفارقة إلى أمريكا أم العكس، يبقى هو سؤال مشروع للبحث حول تلك الآلية، ويبقى التأثير الإسلامي كتجويد وارتعاش صوتي ونغمة حاضراً في الجذر الموسيقي الأمريكي، وتبقى موسيقى البلوز رغم تطور نغماتها محافظة على السلم الموسيقي الخاص بها الشبيه بالسلم الموسيقي الإسلامي، ويبقى البلوز الجد الأكبر لجميع الفنون الموسيقية الحديثة، إنها موسيقى السجناء العبيد.

Download Album From Telegram

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.