الانتقائية والقطيع المعاصر.. الشكل الحداثي والعقل القبلي للمثقف

قال لي أحد الأشخاص ذات مرة، بأني شخص انتقائي في تناولي للمواضيع التي أتحدث عنها، كان كلامه يحمل بطريقة ما اتهاماً لمفهوم الانتقاء ومحاوة إدانة الفكرة، وتغييب حقيقة هذا المفهوم؛ إنه يرى الانتقائية كنظام سلبي يتعارض مع أي قناعة أيديولوجية لديه.

بالطبع أنا شخص انتقائي، دون اعتباري للفكرة على أنها إدانة، ولا يمكن لي إلا أن أكون انتقائياً في هذا العالم، لكن ما المقصود بتلك الانتقائية حقاً!.

عندما نتحدث عن الانتقاء فبالتأكيد نحن لا نقصد المعنى الفاشي للمواضيع أو التطرف باختيار الحالة الإنسانية التي تعجبنا دون سواها، بل هي التركيز على النقد المُعاش. بمعنى آخر فإني كشخص وُجِد في هذا العالم بهوية ثابتة لم يخترها ولا يستطيع أن يستبدلها لقوانين أيديولوجية ثقافية واجتماعية دينية وسياسية مفروضة على الجميع بمن فيهم أنا، فأنا كعربي مسلم يعيش في داخل منظومة فكرية واجتماعية لجزء من هذا العالم تُدعى سوريا، فلا يمكن لي تناول مواضيع إلا عن هذه الثقافة التي وُجِدت بها في الدرجة الأولى، وأعاني منها ومن ترديات الفكر المجتمعي الثقافي السوري والعربي والديني الإسلامي بشكل خاص وعلى نحو مباشر، فالطبيعي أن تكون انتقائيتي للنقد موجهة للسوري المسلم إن كان ما يمارسه سلبياً على المستوى الثقافي أو الاجتماعي، وحتى بالشكل الفكري المجرد لما يحمله من تأثيرات تاريخية على واقعنا الفكري المعاصر.

والمشكلة الأكبر أن من ينقدون الانتقائيين (الذين يمارسون النقد المجتمعي)، هم انتقائيون بطريقة فاشية غير واعية. إنهم يمارسون تحت بند الإنسانية المثل القائل (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب) دون حتى الأخذ بعين الاعتبار أي قيمة أخرى. مع التركيز الضروري على أنّ ثقافة التقارب الدموي هي ليست إلا صورة قبليّة على الحقيقة، بمعنى رفع شأن ما نؤمن به على حساب أي نقاش عقلاني، وللأسف هذا هو ما وُصِمنا به دائماً وأبداً في عالمنا الشرقي الديني.

تحت المعيار الإنساني الحداثي يمارسون العقلية القطيعية والقبلية التاريخية، إذاً فمصطلح الانتقاء ليس سلبياً بالمعيار الإنساني، لكنه سلبي بالنسبة للعقل القبلي.

في عام 1990 هاج العالم الإسلامي على حملات الإبادة التي انتهجها الصرب ضد مسلمي البوسنة، ورغم تغليف ذلك الهياج باسم الحق الإنساني بالحياة إلا أنه ليس سوى تشريع للعقل القبلي، تماماً كما جرى أيضاً بهياج المسلمين على رسام الكاريكاتير كورت فيسترجارد عندما رسم لوحاته التي سُميّت بإساءة للرسول في صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية. لكن العالم الإسلامي لم يهتاج بنفس فترة الإبادة الصربية، على الإبادات التي قامت في رواندا، وربما لم يسمع بإبادات قبائل الموريوري في نيوزيلندا ولم يكن لديه مشكلة مع الخمير الخمر الذين أبادوا مثقفي كمبوديا ودياناتها بأسرها، حتى أنّ البعض يمكن أن يشعر بالفخر لإبادة صدام بحملة الأنفال على من يعتبرونهم زرادشتيين أكراد على الرغم أنهم أكراد مسلمون، وحتى تاريخياً يمكن أن يبرروا قيام القيادة الإسلامية التاريخية للعثمانيين بإبادة الأرمن تحت حجة الحفاظ على وجه الأمة الإسلامية، أو قيام هتلر بالهولوكوست اليهودي على اعتبارهم أن اليهود تاريخياً هم الشر المستديم والخطر المحيق بالأمة الإسلامية، حتى عندما يرتقي ذلك العقل القبلي في إدانة أمريكا التاريخية لإبادة الهنود الحمر، فإنهم ينقدون أمريكا ليس من باب الرأفة بالوثنين الهنود بحسب منهجهم الثقافي، بل لأنهم يعتبرون أمريكا هي الخطر الصليبي.

بالطبع لست هنا لتبرير أي نوع من أنواع الوحشية لا بالنسبة للوثني ولا القومي الأقلوي ولا المسيحي ولا حتى المسلم.

حتى على المستوى الإسلامي في هذا العالم فإن القطيع الثقافي المعاصر لا يشعر بأي مشكلة مع إهانة واضطهاد مسلمي بورما من قبل الكهنة البوذيون، لكنهم يهتاجون على أية تصريحات تمس المقدّس الدنيوي. إنهم حتى على المستوى القبلي يتشرنق فيهم جزء من ثقافة قومية مقيتة. إنّ مثقفي القطيع الديني لا يستوعبون أبداً ولا يريدون التعامل مع الحقائق إلا مجزأة وانتقائية، رغم أنهم ينقدون الانتقائيين.

بعد كل ذلك يخرج مثقفو القطيع المعاصرون ليتبجّحوا بالإنسانية ونقدهم لفكرة الانتقائية، وهم ليسوا أكثر من أشخاص متعصبين لمستوى وعي قبلي تاريخي.

إنّ هذا المرض العقلي والنفسي الذي وصلت إليه مجتمعاتنا ليس فقط بفهمها المغلوط عن الإنسان بل بممارساتها التهكميّة على كل ما يخالفها ثقافياً، يؤدي إلى الهبوط في هوّة سحيقة لا أحد يراها، وإنّ جميع المحاولات التي تتجلى تحت أسماء عديدة من الحرية والإيمان والتطور هي عبارة عن أوهام يتم ارتدائها وتصديقها لكنها في جوهرها ليست سوى تكرير لعقل يدور في حلقته الذاتية وترسيخ قيم لا أخلاقية تحت اسم الحب الإنساني العام. إنهم إنسانيون بانتقائية فاشستية وليست بانتقائية نقدية.

يذكرني أمر في عام 2011 عندما قامت الثورة السورية كان الوعي الشعبي للبشر يتمحور حول “قيام النظام الديكتاتوري بقتل الشعب السوري” وبعد سنوات أصبحت المعادلة “النظام المجوسي وحلفائه عملاء الشيطان يقتلون مسلمي سوريا”.

ذلك الخطاب بالضبط الذي دعمته كل الأجندات الخارجية الدينية في سوريا والدول ذات الأيديولوجيات الدينية ومشاريعها السياسية، كان أحد أهم الأسباب لفشل وموت المدنيّة السورية التي ناهضت النظام السوري لعامين كاملين. تغيير الخطاب بذلك الشكل يوضح جلياً المعنى من التفكير الميتافيزيقي الاجتماعي – ليس فقط في سوريا إنما في كل دولة تحمل الغيب كتفكير اجتماعي – عندما يكون جوهر التفكير في دولة ما ومجتمع بأكمله حتى لو كان في ظاهره متطوراً ومسالماً، إنه تحت السطح يخفي الوجه الآخر للتخلف والسيطرة الواحدة على التنوّع، ودليله الأكبر الانتقائية في اختيار الخطاب الذي يريد الدفاع عنه من منظور ديني على حساب المنظور الإنساني.

إن تطور ذلك الخطاب من حالته المدنيّة إلى حالته الانتقائية الفاشية ليس سوى تجلٍّ عن ثقافة غارقة بالقدم بمعناها القبلي الماكث قبل أن تطفو على السطح، ولن تؤدي سوى إلى المزيد من الغرق في مستنقع الجهل والتعصب.

معنى الحديث أن التخلّص من العقلية القبلية هو أولوية بشرية وإنسانية لرفع سوية النقد وعدم الدفاع الأعمى عن مجموعة القيم التي انتهت في زمن أصبح فيه البشر يعيشون الحياة بمعناها الأخلاقي. التخلص من الانتقاء الفاشستي واستبداله بانتقاء نقدي.

المسألة دائماً وأبداً، هي أنّ الحق يجب أن يوضع أمام محاكمة أخلاقية إنسانية ذاتية، ليكون لمفهوم الحق والعدل معناه الصافي الخالي من شوائب التوهّم. إنه دعوة مجردة لمناصرة العقل في إطاره الإنساني بعيداً عما يجري على أرض الواقع.. تغيير نمطية التفكير العقلي من إطارها القبلي إلى إطارها الإنساني، مما سيؤدي لتغيير الخطاب، والذي سيؤدي بدوره إلى تغيير السلوك والارتقاء بفكرة الإنسان ونجاحه ليس فقط نجاحه العملي المادي بل لنجاحه الأخلاقي والثقافي.

1 Comment

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.