حصان تورين 2011.. الفلسفة النتشوية بنكهة مملة

“أمّا الحصان فلا نعلم عنه شيئاً”.

هكذا يُنهي المخرج الهنغاري بيلا تار Bela Tarr الجملة الافتتاحية لفيلمه قبل أن يُدخلنا بسرد بصري بطيء وساحر.

منذ أن أخرج بيلا فيلمه العبقري تانغو الشيطان عام 1994، برؤيته الدرامية البطيئة في 450 دقيقة متواصلة، أصبحت متابعة هذا المخرج أشبه بالدخول إلى معبد الرب لتسليم الروح إلى الله والاندماج الكلي في عالمه، بنفس الصورة يجب على متابع بيلا تار أن يُسلم روحه للكاميرا البطيئة والخضوع الكلي لتلك المسحة المُغبرّة والمُنهكة في أفلامه لمعنى الإنسان والتجريد الشامل لكل شيء.

في أفلام تار لا وجود سوى لعالم نائي وبعيد ومنعزل وأليم وشخوص تحاول النجاة دون فائدة.

في فيلمه الأخير هنا، حصان تورين عام 2011، والمبني على رؤية نيتشوية كاملة في تجربة حصان نيتشه، يخلق تار عملاً فلسفياً ليس من السهولة التعامل معه، لا أحداث كبرى في هذا الفيلم العبقري، لكن تلك اللحظات البصرية المؤلمة للوجود الإنساني، هي ما تجعل من الحصان بطلاً غائباً، لتتجلى نزعة الشرود البشري بأقسى صورها.

هو سؤال جوهري لوجودنا.. من نحن! وكيف تمضي السنين بنا؟.

الموسيقى، البطء، القسوة، الألم، والتأمّل من النافذة لعالم فارغ. كل ذلك يخلقه تار بهوس سينمائي استثنائي، يوضّح كلياً بانّ صانعه يعشق ما يفعل.

إن كان بيرتولوتشي هو شاعر السينما الدقيق، فبالتأكيد حصان تورين هو الفيلم الذي أصبح قصيدة الإنسان المعاصر بكل آلامه. إنه نزعة الوجود المملة.

سينما بيلا تار، هي سينما اللون الواحد، مع تغيّر في المعايير الفكريّة. يمتلك تار ثيمته الوجودية داخل دوامة الحياة بطريقة شنيعة لتجسيد حيواتنا التي لا نشعر قسوتها.

فيلم صامت وقاتل. شخصيتين رئيسيتين. الأب وابنته. وعابر يريد خمراً، يطرح فلسفته النيتشوية بحديث سريع ويرحل، فيُصيب قلب الأب وتتغير رؤيته إزاء الحياة التي يعيشها مع ابنته، لكن هل يستطيع الثوران ضد وجوده العشوائي؟.

سيحاول الرفض والبحث عن شيء آخر، لكنه سيعود لأنّ بطل الفيلم الغائب يحتاج رعاية البؤس.

مونودراما الحوار النيتشوي

كل شيء تحوّل إلى خراب. كل شيء فيها تدمّر، كل شيء طار في العاصفة، ودمّرت الريح كل شيء. لأن هذه العاصفة ليست من النوع الذي يأتي لخدمة الإنسان، بل على العكس.. لقد جاءت لتوقظ بصيرة الإنسان وحكمه على نفسه، ويد الله هي التي تسببت في هذا طبعاً، أو يمكنني القول أنها تعلب دوراً في ذلك. ومهما كان هذا الدور الذي تقوم به.. فهو أكبر مما تتصور بكثير. كما ترى، فالعالم يعيش بانحطاط شديد، لا يهم ما أقوله أنا، لأنّ كل شيء اكتسبناه أصبح منحطّاً. لأنهم حققوا كل شيء بالاحتيال والغش، ولذلك أصبح كل شيء منحطاً. لأنّ كل شيء يضعون أيديهم فيه يصبح بلا قيمة. وهم بالمناسبة لا يتركون شيئاً لا يتدخلون فيه. هذه كانت طريقتهم حتى أتى الانتصار الأخير.

اكسب، وخرّب. خرّب، واكسب. أو يمكنني قولها بطريقة أخرى إذا أردت: أن تتدخل في شيء يعني أن تدمره بينما تحاول اكتسابه، أو أنك تتدخل في شيء لكي تخرّبه، لأن هذه هي الطريقة للحصول عليه. هذا كان الحال لمدة قرون.. وذلك مستمر دائماً دون توقف، ولخدمة هذه الغايات يتبعون طرقاً فظّة أحياناً وقاسية أحياناً، أحياناً باللطف، وبالعنف أحياناً، ولكن هذا مستمر دائماً، لخدمة هدف واحد، ومثل الجرذان التي تنتظر الفرصة لتهجم. لأن من المهم لتحقيق هذا الانتصار العظيم أن يعتقد الطرف الآخر، أن كل شيء ممتاز، وأن هذه الامور تحدث لخدمة غاية نبيلة، وأنهم لا ينبغي لهم أن يتدخلوا في أي صراع. وهكذا لا يكون هناك أي نوع من الكفاح، بل تتفاجأ بانتصار أحد الطرفين وزوال الآخر. ستجد أن كل شيء رائع ونبيل يختفي وبذلك ينتصر هؤلاء الأبطال الذين كانوا ينتظرون هذه الفرصة. ولا يبقى هناك أي مكان لتخبئ شيئاً عنهم. لأنهم لا يثقون إلا ببعضهم. كل شيء كنا نعتقد أنهم لن يصلوا إليه، قد وصلوا إليه فعلاً وأصبح ملكهم، السماء أصبحت ملكاً لهم وكذلك أحلامنا، كل شيء موجود لهم الآن حتى الطبيعة والصمت اللانهائي، حتى الخلود أصبح لهم.

هل تفهم هذا؟. كل شيء ضاع إلى الأبد! وكل هؤلاء النبلاء والأشخاص الأخيار تنحّوا جانباً. لقد توقفوا عند هذه النقطة وتوجّب عليهم أن يفهموا، وأن يقبلوا، بأنه لا وجود للإله. وكان عليهم ان يفهموا ويقبلوا منذ بداية الأمر، ولكنهم طبعاً كانوا غير قادرين على الفهم. لقد آمنوا بهذا وقبِلوه، لكنهم لم يفهموا شيئاً أبداً. لقد اكتفوا بالوقوف مرتبكين، لكنهم لم يستسلموا، حتى أتت تلك الشرارة في عقولهم وأنارت لهم تفكيرهم، وأُرغِموا على الاعتقاد فجأة بأنه لا وجود للإله. وبعد ذلك فهموا أنهم أنفسهم غير موجودين. يمكنني أن أعتبر أن هذه اللحظة التي يمكن أن نقول فيها إن كل شيء قد انتهى. انطفأ إلى الأبد كما تذوي النار التي تلتهم المروج. هناك شخص يربح دائماً والآخر يخسر دائماً. الخسارة والفوز. وفي يوم من الأيام توجّب عليّ أن أقتنع أني كنت على خطأ. لقد كنت مخطئاً حقاً. لأنه لم يحصل أبداً، ولن يحصل أي تغيّر على هذه الأرض. ولكن يجب أن تصدقني لأني أعلم ما أقول، كل هذا التغيّر قد حصل فعلاً.

DOWNLOAD FILM

التصنيف: 5 من أصل 5.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.