إلياس مرقص

من نقد الفكر القومي، إلى الماركسية والشرق، إلى المذهب الجدلي والمذهب الوضعي، إلى نقد العقلانية العربية. هكذا تدرّج المفكر السوري إلياس مرقص في بناء رؤاه اتجاه الواقع والفكر العربي.

وُلِد إلياس مرقص في مدينة اللاذقية السورية عام 1929، مُنحدراً من أسرة معلمين. درس مرقص في مدينته اللاذقية وتدرج في مدارسها، وكان يُشهد له بالتفوق العلمي، فقد كان من الأوائل في الشهادة الثانوية الفرع العلمي عام 1945 في مدرسة الفرير. كما درس القسم الفلسفي عام 1946، حيث نال عليها منحة لدراسة العلوم الاجتماعية في جامعة بروكسل الحرة (بلجيكا)، وقد نال شهادة جامعتها باختصاص التربية التعليمية (البيداغوجيا) عام 1952.

في تلك الفترة وأثناء دراسته في بلجيكا، انتسب مرقص للحزب الشيوعي السوري، لكنه قد طُرِد منه عام 1956، بعد عودته إلى سوريا بسبب رفضه للنهج الستاليني الذي كان الحزب يتبعه في سياساته العامة، ومطالبته بالديمقراطية الحزبية ورفض عبادة الزعيم، حيث اتهمته قيادة الحزب حينها بالعمالة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حتى أنه تعرّض للضرب والإيذاء الجسدي، قبل أن يعيد الحزب الاعتبار لمرقص فيما بعد.

مارس مرقص مهنة تعليم الفلسفة في أغلب مراحل حياته (1952 – 1979)، وبعد عودته من بلجيكا، التحق بخدمته الإلزامية، وفي تلك المرحلة تعرّف مرقص على ياسين الحافظ، تلك العلاقة التي ستترك أثراً فكرياً واجتماعياً على كليهما. وتجسّد تأثير مرقص على الحافظ، أنّ الأخير قد تعرّف على الماركسية من خلال مرقص.

ساهم مرقص في إنشاء مجلة الواقع الفصليّة في بيروت (1980 – 1982)، ومجلة الوحدة الشهرية في باريس (1984)، بالإضافة إلى تأليفه العديد من المؤلفات المتعلّقة بالماركسية العربية، كما نقد الفكر القومي العربي، بالإضافة إلى عمله في الترجمة، حيث ترجم الكثير من الكتب من الفرنسية إلى العربية مع مقدمات طويلة لها، مما اعتبر البعض أن تلك المقدمات كانت توازي في أهميتها الكتاب المترجم نفسه.

ومن بعض الكتب التي ترجمها (تحطيم العقل للوكاش، الدفاتر الفلسفية للينين، مختارات هيغل، حول المسألة اليهودية، فلسفة عصر النهضة لبلوخ .. الخ).

تجلّت أفكار مرقص بشكل أساسي حول حقوق الإنسان وحرية الفرد، الديمقراطية، ضرورة تجديد المعتقدات، العقل والعقلانية، وتعريف البديهيات. لم يكن مرقص يقبل بقدسية الكلمات دون أن يتفحصها ويدرسها بعناية ودقة. وكانت رؤاه حول قيام ثورة متجسدة في كيانه لأنه كان أفضل من قرأ الواقع والتاريخ بشكل عميق، وقد وضع تصوراته لثورات عربية قادمة وعن أشكالها المتوقعة وعن الحلول الضرورية لأزمات ما بعد الثورات، وأهمها العدالة على شكل ديكتاتوية القضاء، لاستعادة المجتمعات ثقتها بالوطن والدولة الوطنية ضمن مراحل انتقالية محددة.

يتميز فكر مرقص أنه مرّ بطورين اثنين في مساره : طور أول يمتد من منتصف الخمسينات حتى منتصف السبعينات، حيث كتب فيه معظم مؤلفاته المعروفة، بالإضافة إلى ترجمات مهمة أيضاً. أما المرحلة الثانية فامتدت من منتصف السبعينات وحتى نهاية الثمانينات، حيث تجسدت هذه المرحلة بالانكباب على الترجمة حيث أخذت الفلسفة الحيز الأكبر من جهده وفكره.

ألف مرقص الكثير من الأعمال المهمة، فكانت بداياته مع كتاب نقد الفكر المقاوم (عفوية النظرية في العمل الفدائي)، والستالينية والفكر القومي، بالاشتراك مع جمال الأتاسي وياسين الحافظ، ونقد الفكر القومي عند ساطع الحصري. ويمكن تجسيد فكر مرقص ببعض النقاط الأساسية.

اطلق مرقص رؤيته هنا من أن كيف يمكن للفلسفة أن تكون ضد الإيديولوجيا. فالفلسفة لديه هي نظرية المعرفة وتصوِّر الإنسان وتاريخه ومصائره. فأتت نظرية المعرفة (ببعدها الاجتماعي الفلسفي) ضد الإيديولوجيا (عامة)، فانطلق بنقده أن الإيديولوجيا الماركسية ليست حاملاً للحق، ولا الإيديولوجيا البرجوازية حاملة بالضرورة الباطل، وعلى هذا بنى مرقص رؤيته “ليس ما ينقصنا هو الإيديولوجيا، بل المنطق والمعرفة والثقافة والأخلاق .. إيديولوجيا تحترم كل ما ذُكِر”. وركّز على الإنسان وتاريخه، مع ياسين الحافظ، بأنه من المحال والعبث والحماقة أن نخرج خارج تاريخ البشرية، خارج مصائر الإنسان اليوم. فهذا التاريخ – بحسب رؤيته – لا يخرج، فإما أن نصير ذاتاً وفاعلاً وصانعاً له وفيه، وأما أن نكون وأن نعود كما كنا مادة وموضوعاً وسماداً لتاريخ ننخلع عنه وينخلع عنا.

ومن هذا البعد النظري المجرد، أعاد خلق صورة مفهوم الفرد والمجتمع بارتباطه المعرفي ووعيه المستقل، وهو (المجتمع والفرد والاختلاف). وبرغم ما أشاد البعض بتناقض هذه النظرة ولكنها كانت نقد وهمي لحقيقة نظريته. فيرى مرقص بأن المجتمع الذي تُشكِّل ولادته أهم حدث في التاريخ بعد حدث ولادة النوع البشري، هو بالضرورة يتشكل من الأفراد الذين بتجمعهم يحققون عنصر وجود مفهوم المجتمع وأبعاده، فكما يكون الأفراد يكون المجتمع. وبما أن كل فرد هو مشروع خاص ومستقل ضمن بنية ذاتية تسعى للبناء القوي في علاقات طبيعية تُجبرهم من أجل الاستمرار، فإذاً بينهم عامل مشترك، وهذا العامل هو جوهرهم الذي يسعون إليه وهو الصيغة التي تحقق وجودهم، وهو المجتمع السياسي والدولة. أما الشق الثاني في نظرته كانت فكرة الاختلاف، إن أي مجتمع لا يقوم على نوع وجنس واحد، وعلى هذا فإن المجتمع الذي تتحقق فيه الهوية القومية هو مجتمع مختلف ومتعدد، مما يؤدي إلى صناعة التعارض والتناقض الذي هو التاريخ الداخلي للأمة، ذلك الصراع والتعارض الذي يخلق الإبداع في بنية المجتمع الواحدة والمتعددة. إن الوجود الفعلي والواقعي للأمة هو اختلاف الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والشعوب، والمجتمع الذي يمارس إلغاء حرية الأفاد واستقلالهم وذاتيتهم، إنما يلغي حريته واستقلاله وذاتيته. إن إلغاء الفرد والخاص هو إلغاء بشكل بديهي للمجتمع والعام.

اتسعت رقعة تفكير إلياس مرقص لتشمل بعداً أوسع، وتجسدت تلك الرقعة بمفهومه عن الأمة العربية.

يرى مرقص أن الوجود الأكبر والفعلي للأمة العربية أتى ما بعد الإسلام وذلك على خلاف ما طرحه منظرو البعد القومي العربي. فالبنسبة لمرقص “إن القسم الأكبر والأكثر حسماً في هذا التكون التاريخي الطويل، هو التكون التاريخي لحقبة ما بعد الإسلام. فالأمة العربية ليست امتداداً في الزمان لأمة سامية عامة غير موجودة، وليست تمدداً في المكان لمعين قرشي أصلي. إن الوجود القومي العربي قد ارتكز على تشابه قديم في أسلوب الإنتاج و الملامح النفسية – الثقافية واللغات، وتحقق على أساس لغة محددة قديمة وثابتة هي اللغة العربية، لغة قريش. هذه اللغة تاريخها اللاحق الوحيد هو تاريخها الخارجي. أي تاريخ انتشارها وصيرورتها لغة عشرات الملايين من البشر، لغة لاقتصادهم وثقافتهم وعلاقاتهم وحياتهم، أي تاريخ صيرورتها لغة قومية. أما تاريخها الداخلي، أي تاريخ تكونها كلغة، تاريخ نشوء مفرداتها الأساسية وقواعدها فهو يرجع إلى ما قبل التاريخ المعلوم. وعلى هذا فإن الوحدة العربية هي ضرورة تاريخية، وهي شرط التقدم، ولكن غير الكافي. فكان شرط الوحدة من وجهة نظره ان تبنى على إعادة بناء الوعي القومي على اسس إنسانية وعقلانية وديمقراطية، والوصول الى الوحدة يكون عبر حركة الأمة وليس حركة طبقة أو فئة أو حزب. في المحصلة الوحدة هي احتجاج جماعي ضد التخلف والتجزئة قبل ان تكون ضد الهيمنة الامبريالية والاحتلال الصهيوني. الجديد الذي اتى به مرقص في مسألة الوحدة العربية هو أنه أسسها على الاختلاف والتعدد، على خلاف الانظمة البعثية ومدرستها “العسكرية” التي نظرت للعرب ككتلة واحدة ولعملية الوحدة على انها تتم بضربة واحدة او بشكل قسري وقدري.

من هذه المكونات الأساسية، عاد مرقص ليبني رؤيته حول قوى الثورة وأزمتها التي لا يمكن الخروج منها إلا بتحقيق قطيعة منهجية مع التقليد، وتحرير العقل من مسبقاته وافتراضاته الأيديولوجية والعلمية.

من هنا كان الياس مرقص يبتعد شيئا فشيئا عن الحضور السياسي المباشر، لصالح مزيد من الفكري في مؤلفاته. وهذا ما ظهر على نحو خاص في سنوات حياته الأخيرة، وهو يمارس فكرته الأثيرة على نفسه بضرورة تعميق الفكري على حساب السياسي.

وهي المشكلة التاريخية التي كان يواجهها جميع مثقفي العرب عامة وسورية خاصة، وهي انهم سياسيون، فهذه البلاد العربية لن تنهض – بحسب منهج مرقص – إذا لم تغلّب الفكري والفلسفي على السياسي، ولن يكون هناك نهضة سياسية فعلية وحققية، دون انطلاق الفعل السياسي من العقل، وأن تصبح ممارستها  بمزيد من العقلانية.

هكذا بنى مرقص عالمه الفكري من نهضة عربية عقلانية، واستفادة عميقة من مشاريع عالمية للنهوض بالفكر العربي وحالته الاجتماعية من العمق نحو السماء. إنه أحد المنظرين القلائل الذين حاولوا صناعة مستقبل عربي فشل تحت سطوة القومية العسكرية.

توفي المفكر السوري إلياس مرقص عام 1991، عن عمر 62 عاماً كانت حافلة من محاولات فكرية عميقة، وأُجهضت تحت نير السطوة والقوة السياسية الذي عاش طويلاً مناهضاً لها.

A-Ile Self-hallucination

4 / January / 2017

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.