ألم الولادة

التمسك النفسي بأسطورة الوضع

بالرغم ما أحرزته النسوية من إمكانيات تحرر في القرن الماضي وبداية القرن الحالي على المستويات السياسية والإجتماعية نسبياً، إلا أن بعض المعطيات النفسية، بقيت أسيرة الأسطورة فعلياً، وببعدها اللاهوتي الذي لم تستطع المرأة التخلص منه، أو للدقة هو عدم الرغبة بتقديم رؤية صادقة في مستواها التاريخي، التي بقيت حبيسة فيه كوعي.

تجلى ذلك المعطى بالكيان الأنثوي (كجسد) وبالأمومة (كعاطفة). فمن خلال تلك الثنائية، حصرت المرأة وعيها بأسطورة المنطق اللاهوتي الذي تجلّى بالديانات كصورة ألم.

لشرح تلك الأسطورة وتفنيدها لا بد من شرح آلية تعاطي الوعي الأنثوي لمسألة الوضع.

فُسِّرت الولادة تاريخياً، أنها عملية ألم محض يجري في داخل الأنثى، وذلك الألم هو السبب في تعلّق الأم بطفلها بعد ولادته، ويكمن خطأ هذا المُعطى، بالأسطورة اللاهوتية القديمة التي تركّز على (بالوجع تلدين). تلك العبارة التي انتقلت بشكل غير مدرك في الوعي البشري وخلقت صورة مغايرة كلياً عن حقيقة الأمر. خُلقت تلك الصورة باعتبار المرأة إثم غاوٍ في الديانات (قصة الخلق). إنها باب أساسي لتجريم المرأة ووصفها بالإثم الذي لا يزول، منذ لحظة الهبوط من الجنة حتى وصمها في الوقت المعاصر (لاهوتياً) بالنزعة الآثمة.

تلك القصة طبعت الوعي البشري بأكمله بفكرة التجريم، وضرورة الألم لاستمرار الحياة. لكن هل فعلياً ألم الوضع هو السبب الرئيسي لتعلق الأم بطفلها ؟!.

من خلال مجموعة تجارب حديثة، أثبت العلم دون أدنى شك، أن السبب لارتباط الأم بأطفالها عائد للذاكرة والتربية وليس لصورة الألم، وذلك من خلال تجارب أجريت على مرضى الزهايمر، الذين أثبتوا أنهم في لحظات فقدان الذاكرة يتعاملون مع أبنائهم بشكل مجرد بحت وحتى عنيف وعصبي أحياناً، دون معرفة أن أولئك الأشخاص هم أبنائهم. وحتى تفسير أن الأم التي تتبنى طفلاً تتعامل معه بود وأمومة، فالعاطفة هي كيان سلوكي، وبالتالي فإن أسطورة تعلق الأم بأطفالها يعود لتطور الوعي البشري والسلوك اليومي والذاكرة في تربيتهم، إنها سلوك محض وليس تجلّي إلهي. من هذا الباب تسقط فكرة الألم وربطه بالتعلق العاطفي، فالعاطفة ترتبط بالذاكرة.

لكن ذلك لا يكفي لتفنيد أن المرأة لا تشعر بالألم أثناء الوضع. هي بالتأكيد تشعر بالألم، لكن ليس بالصورة التي فرضتها اللاهوتيات التاريخية، بجانب الألم فإن المرأة تشعر بالمتعة الشديدة إلى درجة تجعل الألم جزء لا يُذكر في عملية الولادة.

إن الولادة بطبيعتها، تحمل عنصر النشوة، فالمهبل الذي يخرج منه الطفل، هو عضو إثارة ونشوة، وعملية خروج الكائن مهما بلغ حجمه، هي شعور أقرب للتدفق الشبقي، وذلك يعود لطبيعة المهبل الفيزيولوجية، فهو أولاً يمتلك خاصية التمدد المرن الذي يجعل الولادة جزءً من طبيعة الأنثى، ولو كان الألم محورياً، لكانت المرأة تبيض ولا تلد. ثانياً إن المهبل يمتلك ثلاثة مناطق للإثارة بالتشريح الفيزيولوجي، لا تحققها العملية الجنسية بقوة مثلما تحققها الولادة كدفقة نشوة سريعة. وهي البظر كعضو خارجي، وبقعة جي المسوؤلة عن النشوة الداخلية للمرأة وجدار المهبل الذي يفرز عصارات تسهيل الولوج والخروج. إن الحجم الكبير نسبياً للطفل، يخلق بدفعة واحدة إثارة للمناطق الثلاث مع بعضها البعض وبنفس التوقيت، مما يساهم بالتدفق الشبقي اللحظي بمتعة جنسية تفوق متعة ممارسة الجس نفسه، تلك الدفقة التي تسيطر على لحظة الألم الفعلي المتجسد بقوة الضغط لإخراج الطفل. إنها حركة نشطة تتخلل الجسد.

لكن ما الذي يجعل المرأة متمسكة بفكرة الألم عند الوضع، بالرغم من إحساسها الغامض بالنشوة ؟.

ذلك يعود لسببين نفسيين غير مدركين :

الأول هو فكرة الانجاز والتضحية. وهو الآلية الدفاعية غير المباشرة ضد حالة الذكورة، فالمرأة أنجزت مهمتها إزاء الفكر الذكوري وهو الإنجاب، الذي يجعلها في موقع التحصين ضد العقم الذي يؤدي بها إلى مستوى اجتماعي ذليل، يُضاف إلى ذلك خلق صورة الألم الذي تُسيطر به على التداعيات النفسية للذكورة، من أنها الكائن المُضحي من أجل خلق صورة استمرار السلالة الذكورية المتجسدة باسم الأب. تلك الحالة غير المدركة نفسياً، تخلق المرأة لذاتها صورة الخنوع غير المباشر رغم كل بيانات التحرر التي تطرحها من خلال العمل السياسي والاجتماعي.

والسبب الثاني هو البقاء في حيز التجريم اللاهوتي. فالمرأة بطبيعتها تسعى للحفاظ على المعادلة التاريخية اللاهوتية رغم رفضها العلني لها، وذلك يعود لأصالة الفكرة التاريخية ذاتها، من قبول المصير الإلهي لأثمية المرأة، فنقض تلك النظرة والإعتراف العلني بالنشوة، سيضع المرأة في موقع المحاجج للخيار الإلهي (الألم)، مما سيؤثر بشكل طبيعي على نظرة الذكور اتجاه تضحية المرأة وألمها، وهما الفكرتان اللتان تخلقان التحصين المناسب لها في دائرة المجتمع القمعي نفسياً. من هنا تبقى فكرة التجريم للولادة هي الخيار الأنسب لقبول الأنثى بخنوعها النفسي غير الواعي.

إن الاعتراف بتفاهة فكرة ألم الوضع عند الإناث، واستبدالها بحقيقة الشعور بالإنتشاء، سيضعهن في موقع الإهمال الإجتماعي، وهي خسارة هائلة لا تُقاس بأي خسارة لتحررها، يمكن القول أن قبول تلك البنية للولادة (وطبيعتها الغامضة المخفيّة) هي جزء أصيل من حرب المرأة للتحرر من هيمنة المجتمع الذكوري، ولو أنه كان تحرراً عبودياً فعلياً، ولا يرقى لمستوى احترام الأنثى ككيان. إنه شيء أشبه بالسعي للسيطرة على جزء بسيط من الواقع النفسي في صراع مع المجتمع الذكوري، لكنها سيطرة حلزنة وتقوقع حول الذات الأنثوية وأموميتها، دون تحقيق شيء حقيقي.

 

A-Ile Self-hallucination

23 / December / 2016

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.