التفاهة

قبل مئة وخمسة وعشرين عاماً تقريباً، أطلق ذلك الألماني الصغير الحجم، ذو العينين الغارقتين بالغموض، والمُسمّى “فريدريك نيتشه”، صرخة فلسفية مزّقت العالم الحديث، ووضعته أمام معيار الحقيقة، بأننا قادمون نحو عصر من العدم والتفاهة.

تلك الصرخة التي أدّعت موت الله. ومنذ فجر تلك الصرخة، بدأت كل فلسفات وأفكار وأديان وايديولوجيات العالم تتحارب من أجل نفي أو إثبات ذلك المعيار بشكل مغلوط.

عندما قال نيتشه ما قاله، لم يكن الأمر بالنسبة له هو تركيز الوعي البشري عن النفي المقصود لفكرة الله، بل بالضبط عن زوال القيمة المرتبطة بفكرة الله. لقد أطلق نيتشه صرخته بعمق عن زوال القيمة والاخلاق والمعنى. مما يؤدي بشكل بديهي، أن نيتشه وبعيداً عن إلحاده الشخصي، فإنه لم يدعو للإلحاد، بل لتشريح إنسان العصر الحديث، الذي قد بدأ استهلاكه في بنية مجتمعية ومعرفية دولية أصبحت تسحقه بكل أبعادها. ولست هنا بصدد الدفاع عن نيتشه أو إدانته، بل هي تقديم لفكرة ما آل إليه إنسان العصر الحديث.

يمكن القول أن رؤى نيتشه كانت على حق، وإنها نظرة ثاقبة اتجاه العالم، فبعد موته في عام 1900، بدأ العالم أجمع يدخل مراحل من التدمير الذاتي، فكان القرن العشرين، هو السرعة الجنونية لتطوير العالم وازدياد معيار التفاهة والعدمية. ففي النصف الأول من ذلك القرن، دخل العالم حربين عالميتين، واشتدت الحركات الفلسفية الثقافية بين فئة المثقفين في أوروبا وأمريكا، وتغير للبنية الاقتصادية والسياسية التي اجتاحت العالم في دول العالم الثالث، والحرب الباردة، وظهور الحركات بشكلها الواسع والعلني، من حركات تحرر وحركات ثقافية من أمثال الفوضويين، والراديكاليين في بعض الحركات لأديان سماوية وأرضية. ودخل العالم في دوامة من الجنون لم تنتهي حقاً حتى الآن. لقد كانت تلك المرحلة هي بداية إحساس البشر بعدم جدوى الحياة، وانتقالها إلى معرفة وإدراك عدمية الحياة، وإن لم تتجلى بشكل دقيق، لكنها كانت بداية وتمهيد للنصف الثاني من القرن العشرين.

وكان النصف الثاني هو دخول العالم مراحل أكثر تطوراً، اتساع الشركات المسيطرة على البنية العقلية والنفسية للإنسان، وإدخاله في دوامة اللاجدوى، وسجنه في عالم من التكنولوجيا التي أصبحت تسيطر على كافة الأشكال الحياتية، فأصبح حتى الإنتاج الثقافي والمعرفي يخضع لذلك العالم المتسارع.

إذاً هل كان نيتشه نبياً عندما أدعى موت الله القيمي ؟.

ببساطة ما قاله نيتشه كان تمهيداً وحجر أساس لما بعد الحداثة، والتي ظهرت كثير من المدارس والفلسفات المؤسساتية لترقيع تلك الصورة الوهمية عن المعرفة، لكن هل يمكن تحميل مصطلح ما بعد الحداثة كل تلك التعاريف ؟. ما بعد الحداثة هو ببساطة شعور الإنسان بالعدم ودخوله في إنتاج من التفاهة المتزايدة. فأضحت العلوم حبيسة المؤسسات المسيطرة على الإنسان دون إمكانية الوصول إليها بدقة، وأصبح ما يصل للإنسان هو ما تريده بحق تلك المؤسسات، مما بدأ بخلق إحساس بالريبية اتجاه ما نفكر. وأصبحت الفنون تخضع لمعيار البنية التكنولوجية من آداب كتابية، وإنتاجات موسيقية تزيد الإحساس بالغربة والتيه في عالم شاسع، ولوحات فنيّة لا تحمل أي قيمة سوى انخراطها بالعالم الخانع لصورة السيطرة اللامباشرة للمؤسسات الكبرى. إنها نوع من إنتاج تافه وشاسع ويتزايد يوماً بعد يوم.

تلك التفاهة التي في جوهرها هي إحساس بالعدم اتجاه العالم ومكوناته، وعدم القدرة على إنتاج معرفي حقيقي يُخلّص الإنسان من العبودية التي يشعرها دون دليل عقلي مادي عليها، فأصبح الإنسان يسعى لا لاكتشاف الحقيقة فعلياً، بل لإثبات وجوده الصغير في عالم يأكله بسرعة جنونية.

فأصبحنا نرى في تلك البنية التكنولوجية، معيار القيمة الحداثوية، فالمقطع الشعري التكنولوجي، أصبح يحصد آلافاً من الإعجابات أكثر مما يحصده رامبو أو ريكله او أدونيس أو درويش. والرواية التي لا تحمل أي قيمة معرفية او فكرية، أضحت أعمق من أعمال منيف أو رابليه أو الطاهر بنجلون أو حتى كونديرا، والقياس قائم على جميع العلوم والفنون والآداب. حتى بادق الأفكار النثرية التي لا تعتمد سوى على قول الإحساس الشخصي لتحويله إلى بنية علنية لإفراغ الشعور بعدم الجدوى في عالم لا يكترث للإنسان.

إن موت الله القيمي الذي تحدث به نيتشه، ورغم أن مليارات من البشر مازالت تؤمن بفكرة الله، لكن حتى تلك الفكرة لم تعد كما كانت، فأصبح حتى الله هو اداة تفريغ لإحساس العدمية والتفاهة،  وتحويله من كيان طقوسي جوهري، إلى شكل أداتي لتبرير زوال القيمة نفسها وإيجاد مسوغ للاستمرار في هذا التيه العالمي.

أخيراً، لم تعد المسألة هي إيجاد أو إعادة إحياء تلك القيم، لأنّ المسألة أصبحت تخضع لجنون متكامل في هذه الكرة الأرضية، من بنية دول عالمية ومؤسسات كبرى، حتى أصغر فرد يدور في تلك الحلقة من اللاجدوى. وأعتقد فعلياً ولو كان حلاً طوباوياً بالمطلق، أن ما يُعيد للإنسان قيمته هو الخلاص من نير العبودية المعرفية التي تحدد أشكال إنتاجه المعرفي ذاك، وذلك بإسقاط التكنولوجيا بشكلها المسيطر على العقل، ربما يكون ذلك بداية إحياء للإنسان الذي فقد قيمته وتحول نتيجة فقد تلك القيمة إلى عقل تافه يبحث عن كيان صغير في زمن لم يعد يكترث لوجوده أبداً.

إن الحقيقة الوحيدة التي يجب أن يدركها الجميع، بأن رؤى نيتشه فعلياً كانت حقيقة، إن الله القيمي قد مات في الوعي البشري، ولا يمكن إحياؤه مجدداً، حتى الراديكالية هي في جوهرها تفاهة عقلية، تبحث عن وجودها في كومة من القش المحترق.

A-Ile Self-hallucination

3 \ November \ 2016

1 Comment

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.