الفن دون تفكير

إنّ ما يجعل المرء يفكّر بالمسلمات البديهية أحياناً، هي لحظات عشوائية تجابهك دون دراية بالأمر. تقف حيالها بشكل مندهش ومثير، وربما قد تضحك أحياناً.

في إحدى الصباحات التقليدية، بينما كنت احتسي قهوتي، وفي تصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، صادفني مقطع فيديو لشاعر سوري شاب، وله حظوة لا بأس بها في الأوساط الثقافية، ومضمون الفيديو هو قصيدة بالعامية عن الفرق الذي يمارسه الذكر في علاقته بين أمه وحبيبته كسلوك.

وبعيداً عن موافقتي أو عدم موافقتي لما جاء في قصيدة ذلك الشاعر الأشوس، لكنها كانت اللحظة العشوائية التي دعتني للتأمل لساعات في موروث قديم بخصوص الأم.

يركز الشاعر بأن الشاب يعامل أمه بطريقة قاسية وربما قد يغضب في وجهها أحياناً، بينما يتحول إلى حمل وديع ومهذب أمام حبيبته. ويتحدث بطريقة ناقدة عن ذلك السلوك.

بالطبع الجميع وفي كل دول العالم، يدركون اهمية الأم على المستوى الشخصي، لكن ما استوقفني بنظرة الشاعر هو بعض المغالطات التي أنتجتها ثقافتنا الاجتماعية.

بداية فإنه من الطبيعي، ومن سير الحياة أن يتعامل أي ذكر مع حبيبته بطريقة ألطف من تعامله مع أمه، وهذا يخضع لاعتبارات نفسية، وبنفس القدر الذي يمارسه الشاب مع أمه، فإن الفتاة تمارسه مع والدها ومع حبيبها. إذاً فالمسالة لا ترتبط بالذكورة، بقدر ما ترتبط باختلاف إيديولوجي لجيل مختلف بطريقة تفكيره عن الجيل السابق. إنها مسالة معقدة قليلاً.

إن الأم بطبيعتها كائن عاطفي، يشعر بالخوف على أبنائه، على اعتبار أن الأبناء هم المنجز الوحيد لتلك الأم والأب على حد سواء، ذلك الخوف الذي يتبلور في الوعي الناشئ للجيل الحديث على انه اختناق اجتماعي، والبحث عن خلاص منه، تلك العلاقة مع الاهل، تحتاج مخرجاً، ليس فقط نفسياً، بل مخرجاً سلوكياً، متبلوراً بحاجات فيزيولوجية بديهية، والذي يتجسد بإيجاد شريك مقابل له (ذكراً وأنثى) على نفس المستوى العمري. إنطلاقاً من هذه البديهية تنخلق المفرزات السلوكية بالرفض لآلية التفكير العائلية القديمة، إنها حالة صراع ما بين الرغبة بالحفاظ على حياة الابناء من وجهة نظر قديمة، وبين البحث عن خلاص من تلك الإشكالية العائلية التي تطبع الجيل اللاحق بآليات مشابهة له.

العائلة هي تجمع ثقافي واجتماعي، يريد الحفاظ على نفسه من تهديدات التفكير الجديد، ومن هنا تنبع محاولة خلق مشابه له، وهذا ما يتم رفضه من الجيل اللاحق، نتيجة متغيرات الحياة والتفكير والسلوكيات.

نعود قليلاً إلى مسالة الأم، وهي نفس المسألة التي يدركها الجيل اللاحق، من أن تشكيل العائلة ستحولهم تدريجياً إلى هيكل للحفاظ على بنية ثقافتهم ضد أبنائهم الذين سيولدون فيما بعد. فالحبيبة ستصبح زوجة وأماً، وبالتالي ستمارس نفس الخوف الاجتماعي، وسيشمل الملل جزءً من الحياة وروتينيتها، فحبيبة اليوم اللطيفة، ستصبح امراة تقليدية مع تقادم الأيام، والذكر المبهر سيصبح رجلاً مملاً، وهذا ما يدركه الجميع. ذلك الإدراك المسبق، يجعل من فرصة اقتناص الحياة السريعة ومحاولة امتلاك الشعور العاطفي واللحظي بكلام لطيف مع من نحب، هو ضرورة قبل أن يصبح شاب اليوم عجوز الغد.

بالطبع كل هذا ليس مبرراً لسلوك انفعالي اتجاه الأهل، لكن السؤال إلى أي مدى يمكن للشخص الذي يسعى لشعور وحياة جيدة في عالم متسارع أن يبقى محافظاً على هدوئه وانضباط أعصابه في لحظات معينة، وخاصة أثناء النقد الدائم الذي يمارسه الأهل على أبنائهم ؟.

من هنا تصبح الحبيبة أو الحبيب هو لحظة الخلاص الآني من ضغط الحياة ومن النقد الذي يجابه الجميع داخل العائلة والشارع والعمل .. الخ.

إن الدعوة هنا ليست من باب تبرير للتعنيف اللفظي اتجاه من لهم فضل في تنشئتنا، بقدر ما هي محاولة تسليط ضوء بسيط على مقدسات أخذناها ضمن ثقافات لا تناقش أبسط المواضيع.

فالأم في مجتمعاتنا لها هالة تقديسية أُخِذت من تشريعات دينية واجتماعية تقليدية، ولو أردنا الوقوف قليلاً عند مقارنة صغيرة وتحليل، فإننا سنكشتف أن تلك الام المقدسة هي في الأصل محميّة لتنتج تلك الكائنات، ومن يحميها فعلياً على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، هو الزوج، أو الأب، نتيجة المجتمع الذكوري الذي نعيش جميعنا به، وطبعاً لا يخلو الامر من استثناءات.

بالطبع لست هنا بصدد تفريق جنساني، إنما فقط عبور سريع لفكرة قد تبدو سخيفة لدى البعض، لكنها تحمل من واقعيتها ودقتها وصحتها الشيء الكثير.

ما يثير استغرابي فعلياً هو نقد جميع المثقفين واللامثقفين للسلوك الانفعالي اتجاه الاهل، على الرغم بأن الجميع يمارسه، ليس لرغبة الممارسة، بل لأنها احتياج نفسي للخلاص من ضغوط اجتماعية، وإيجاد بديل. ورغم ان ذلك البديل سيتحول فيما بعد إلى قدر مشابه لصيغة الاهل ضمن دورة الحياة.

إن المسالة هنا هي خيط رفيع بين ما نعلم من مقدس وبين ما نريد من واقع، وعندما يتماهى المقدس مع الواقع، تصبح الثقافة الناشئة، هي تعبير عن إحالات سطحية لأفكار قد تبدو عميقة لكنها وهمية ولا تؤدي غايتها الفنية، سوى استجرار لعواطف لا تخضع لأي موازنات ثقافية، فيصبح التعبير عن الافكار هو ضرب من الانحطاط الثقافي دون تجديد، ودون بحث معمق عن جوهر ما نقول وما نكتب.

في نهاية الأمر، ما أحاول قوله ببساطة، هو أن يحاول الشخص إيجاد طريقة تفكير وتحليل لمسألة ما قبل أن يخرج لنا بمئات الأشعار التي تطفو فوق سطح هامشي وتافه، بإعادة خلق المقدس بكافة مجالاته.

ومثال الأم والحبيبة هو فقط أتى لشرح فكرة إيجاد نص لا يمت لأي موازنة عقلية وفنية وليس تقليل من شان الأم أو العائلة او الحبيبة، فاحترام البشر على اختلاف أنواعهم يخضع لموازنات إنسانية وليس موازانات ما هو مقدس.

A-Ile Self-hallucination

18 \ October \ 2016

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.