التزيّن الجنسي.. الخلخال ثقافة عبودية غير مقصودة

“ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن”.

النور35

بحسب تفسير الطبري لهذه الآية يقول: أن امرأة اتخذت برتين (وهو ضرب من الخلخال من فضة)، في رجليها، فمرت بقوم وضربت برجلها فوقع الخلخال وأصدر صوتاً، فنزلت هذه الآية.

وعلى خلاف صحة تفسير الطبري أو عدم صحته لنزول الآية، فإنّ الحقيقة الوحيدة والمسلم بها، أنّ الخلخال (كزينة أنثوية) ورد شرعاً في القرآن، ولو أنه لم يكتب حرفياً، لكن المعنى واضح من حركة القدمين في الضرب، فما يُلبس بالأقدام هو أساور القدم.

ذلك الورود القرآني، هو لاحق عن ثقافة أقدم في التاريخ، فمثلما كانت كصبغة تزينية لدى عرب الجزيرة فقد استخدمه الآراميون في مدينة أوغاريت، وراقصات عشتار، وسميراميس وزنوبيا وكيلوباترا، حتى أنه كان كثير الانتشار في اليمن، ولدى الفراعنة أيضاً، يمكن القول بأن الخلخال تاريخياً هو صنيعة منطقة أوسطية. فالخلخال ليس ابتكار خاص بشبه الجزيرة العربية، ولا بالعالم الإسلامي، وإن أصبح فيما بعد مرتبط معرفيا بثقافة أكثر إسلامية، لما أُبيح له من تشريع منصوص عليه في كتاب سماوي، وليس فقط توارثات اجتماعية كأعراف. ذلك التشريع الواضح الذي ورد بسورة النور وبأكثر من آية اختصت بمفهوم الزينة العامة.

تلك التشريعات وما تبعه من ممارسات سلوكية مجتمعية متنوعة، أسست بعد ألف ومئة عام لظهور نسخة دقيقة ومساهمة (كتفاصيل صغيرة) لتأسيس فكر الاستشراق في الغرب، والتي مازالت الثقافة الجنسية الشرقية تعيش اضطراب مزدوج ما بين نفض التهمة الاستشراقية العامة عنها، وترويج حداثي لثقافة غارقة بالصحراء.

يُعتبر الخلخال مثالاً حياً لنهضة وتطور الوعي الجنسي في العالم الشرقي عامة والعربي الإسلامي خاصة، فتلك المادة المعدنية التي تُحيط الكاحل، وتصدر صوتاً أثناء المسير، وتُثير لا الحس البصري المباشر فقط، بنوعين منه (ذهب وفضة)، بل تعدتها لخلق موازنات جنسية بين الحس المادي المباشر والصوت البديل الصادر عن حركة الخلخال، إنها نوع من شبق متواري، يُحقق شرط الاستثارة البافلوفية، تماماً مثلما كان الحال في عصر المماليك والعصر العباسي.

كان الخلخال قديماً عبارة عن أساور عريضة تلبس في الكاحل للزينة، أو في الأذرع لإثبات زواج المرأة، لكن تلك المادة المعدنية تطورت ليصبح لها أشكال ونظام متعارف عليه، كمدى صغر حلقاته، أو لونه، أو ثقله، أو حتى لتتميز ع مستوى الشهوات الذكورية، كحركة رنين، ففي العصر العباسي، أصبح الخلخال شرطاً للراقصات في مجالس الأمراء أثناء حفلات الموسيقى والطرب، لقد كانت نوع من تطوير المفهوم الجنسي، وشرط استثاري وتمهيدي لممارسة الشبق.

تلك الحالة المختصة بمناطق الشرق، أوحت لتطور العالم الغربي ومحاولة فهمه لطبيعة المجتمعات التي كانت ماتزال تمارس الغريزة بمستوى المُحفّز الحسي وليس بالوعي المتطور، بمعنى أن النظرة الاستشراقية التي جالت في فن الرسم الغربي حول طبيعة المرأة التي ترقص وأجزاء من جسدها واضح للعيان، وهي ترتدي الذهب في الأيادي أو الخلاخيل في الأقدام، جاءت من وضوح الصورة الحقيقة للشرق والمغرقة فيه، وهي أنّ الجنس يحتاج محفز حسي مباشر لتوسيع رقعة خيال الشبق، وهي الصورة نفسها التي أعلنت المرأة كحالة نفسية عبودية اتجاه الذكورية والفحولة المحضة. فجاء الاستشراق الفني لتحليل بنية مجتمعية للغريزة.

مع تطور الفكر الشرقي وصعود حالات توعوية، بدأت ثورة الرفض للنظرة الاستشراقية التي أنتهجها التحليل الغربي، والركض للحق المجتمعات المتقدمة، ومحاولة نفي تلك النظرة، لكن بقي الفن الأوروبي معبّراً عن تلك الوصمة التي وُصِم بها الشرق، وأصبحت جزء من تراث عالمي.

وبعيداً عن تحليل مدى الصراع الذي خاضه متنوّرو الشرق في حربهم لنفض تلك التهمة الاستشراقية، فإنّ الخلخال (كتفصيل صغير في بنية الشرق) يبقى في مجابهة مع الفكر التحليلي. وبالعودة قليلاً إلى الماضي، نشعر أننا أمام بنية حكائية من عوالم ألف ليلة وليلة.

قلنا أنّ المهمة التاريخية للخلخال هي الزينة بحسب ما أورد التاريخ، لكن بالوقوف أمام الحالة النفسية لطبيعة الرنين الناتج عن احتكاك الذهب أو الفضة، مع تقديم صورة القدم الانثوية كمعبر عن جزء جنسي تفصيلي ودقيق لامتدادات خيالية شبقية مستترة نحو الأعلى، يخرج الرمز المزدوج للخيال بفعل الاستثارة. القدم بنعومتها مع انعكاسات لونية للمعان المعدن، والصوت الناتج عن الحركة أثناء الرقص، كله يُنتج فكرة خيال لزيادة الغريزة بمراحلها الأولية. ذلك الدمج الضبابي وغير الواضح بالنسبة لكثير من الناس، استُقيَ عبر التاريخ ونُقِل بموروثات الجينة الإسلامية، التي تساهم بخلق الفحولة والقوة الذكورية ومدى قدرتها على فعل الرنين المعدني أثناء المضاجعة، وساهم أيضاً بخلق صورة المرأة لنفسها التي تعتمد برضى كامل عن خضوعها لجبروت العبودية. فهي ترتدي الخلخال ليس فقط بالوعي المباشر لإدراك أنوثتها، بل لوعي غير مباشر بفعل الرنين وما يخلقه من فحولة ذكورية هائجة تمارس قوة المضاجعة فيها. تلك القوة التي تفعل فيها شعوراً بالطمانينة والخضوع لسطلة المتعة، دون إدراك لعبوديتها المتجسدة بإثقال الجسد داخل دوامة من المعدن.

في نهاية الامر، الخلخال ليس مثل أي زينة أخرى كالخواتم أو الأساور، ولو أنها تشابهها من حيث (مفهوم القيد والإثقال الجسدي)، إنها تمتلك صبغة عنفية غير مباشرة وعبودية مثقلة، إنها التجلي الآخر للاستعباد في مرحل التاريخ البشري الأول، إنها تشبيه بتجارة الرقيق الذي يحكم فيه الإنسان بوضع الحديد في قدميه منذ العصور القديمة إلى العصور الحديثة في أمريكا، وضمن هذا الاستعباد، يدخل الخلخال كصيغة غير مباشرة في العبودية غير المدركة بالنسبة للمرأة، تحت مسمى آخر وهو النزوع إلى حرية الفعل.

ولا أعتقد أن التشريع النصي للاهوت جاء عن عبث في هذا الامر، فالجنس هو أحد مقوماته، بما يناسب ذكور أكثر فحولة، وعبودية ارتضائية لإمرأة تدافع بكل ما أوتيت من قوة عن عبوديتها.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.