مأساة صرصار.. نص في الأنانية

(1)

من نافذة بزجاج مُحجّر عتيق، تطّل على الخراب، وقفت السمراء، والحياءُ رؤاها، يعبر عينيها اللوزيتين، عند حدود نافذتها، وزفرت من شفاه زُيّنت بمسحوق أمعاء الماعز دلائل ضجر، وهي تراقب الشارع الفارغ لتقتل الوقت البليد، فشاهدت شاباً يقف عند عمود كهرباء ويحمل في يمناه ثلاثة ورود أرجوانية. قالت في نفسها:

أي أبله ذلك الذي يقدّم جسده أُضحية للموت السريع؟. أيّ روح عاشقة تقف وتنتظر شيئاً غامضاً بورود ذابلة؟.

أرخت ستارة النافذة وتوجّهت صوب مطبخها برخام متآكل لتصنع شاياً، فشاهدت صرصاراً جائعاً بقرني استشعار يميلان لمعرفة الطريق وفكّرت:

الصرصار أعمى، فأن اقتطعت له قرنيه يتوه.

تحركت ببطء وجلبت مقصاً حاداً وبحركة سريعة اقتطعت القرنين، فجمد الصرصار بمكانه لأنّ الجغرافيا فُقِدت من ذاكرته. رفعت حذاءها البلاستيكي المنزلي، وهبطت على جسده الطويل، فانفرز الدم الأصفر على الرخام، برائحة تشبه رائحة خبز جاف وعفن إذا ما نُقِع بالخل لعشرة أيام. فكرت:

أأحمله وهو الميت وأرميه ناحية المنتظر في الشارع بوروده لألفت نظره؟.

لم تطل التفكير كثيراً، فأمسكت جثة الصرصار بسبابة وإبهام، وسارت صوب نافذتها، ناسية كوب الشاي. رمت الصرصار في الفراغ، فطار وهبط بهدوء في الوردة الوسطى، وغابت في منزلها.

(2)

حدّق الشاب الواقف عند عمود الكهرباء، في الهبة السماوية التي هبطت من علو، فتأمّل الماء الأصفر المنتشر على جسد الصرصار، وفكر:

لماذا تكون الهبات ناقصة؟. ليس النقص بالموت، بل بموت جسد كائن دون قرني استشعار. لا وجود لهبات كاملة.

مدّ أصبعه ليلتقط ذلك الجسد المنفرز متردداً، وفكر:

أأحمله وأرميه أرضاً، أم أتركه يُزيّن برائحته النتنة وردة الأرجوان؟. لا، لن أفعل المشينة التي وهبتني إياها السماء، سأتركه، وأُخبر الحبيبة عن ما وهبت.

ظل جامداً بمكانه ما يقارب ارتشاف ثلاثة أكواب من الشاي، والريح تساعد القذائف الطائشة على العبور دون توقف في الشارع، حين أطلت فتاة في العشرين، تتلفت وراءها خائفة من أحد يراها، فابتسمت في وجه الشاب، وقبضت بيدها الناعمة على الورود، وتأمّلت الصرصار فطارت فرحاً:

صرصار ميت برائحة نتنة. إنك شاعري جداً.

قالت ذلك، فاحمر الشاب وتمتم ببعض الكلمات دون أن يفهمها، فأخذت الفتاة الورود بصرصارها وسارت مسرعة، مختفية في الأزقة الجانبية.

تنفس الشاب الصعداء من فرح، وقفز في الهواء وركض ليختفي في زقاق صغير.

(3)

غابت الفتاة بورودها في الأزقة، وكانت الشمس قد شارفت على الغروب وراء الغيوم المتلبدة، عندما رأت بنهاية الزقاق شابين بوشوم محفورة على الأذرع ويلوكان الخشب في ثغريهما، ففكرت:

يا إلهي، أي ورطة جغرافية قد أوقعت نفسي بها. إن عدت أدراجي فبالتأكيد سيلاحقانني، الأفضل أن استمر في المشي دون اكتراث لهما.

فكرت بذلك، لكن الخوف بقي يعبر في شريان قلبها. عندما وصلت تقريباً إلى جوارهما، تحرك أحدهما، قاطعاً عليها الطريق، ومقترباً برأسه منها، متفوّهاً:

انظر يا صديقي. فتاة جميلة بثلاثة ورود أرجوانية. أي حظ سماوي أصبنا به.

اقترب الآخر منها، متمعناً بالورود عندما لمح بالوردة الوسطى جثة الصرصار المنشطر، فقفز صارخاً:

هل ترى ما أرى؟. صرصار برائحة عفنة. اسمعي يا ابنتي الصغرى. أعطنا الورود مع الصرصار ولك الرحيل دون أذى.

عبر الخوف عينيها الجميلتين، فاستقدمت شجاعة وفاهت:

لا. لن أُعطيكما شيئاً. إنها ورودي وصرصاري.

فأمسك الأول ذراعيها، وسحب الثاني الورود منها، ثم صفعاها على وجنتيها فانهارت أرضاً، ينفر الدمع الحزين من مقلتيها، وركضا غائبين بالشوارع الكبيرة.

(4)

ولأنّ البلاد متسامحة، كان قسيس وشيخ وحاخام يعبرون الشوارع الفارغة إلا من الحروب. يتأبطون الأذرع ويتجادلون في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والأدب ويختلفون في كل شيء ويتفقون على أنّ العالم من صُنع الإله.

فقال القسيس ذو الرداء الأسود:

إنّ الرب أباح لنا كل شيء لنمجّد اسمه. الرب رءوف.

فقاطعه الشيخ المُسن بردائه الأبيض:

صدقت يا أخي في العبودية اللاهوتية. إنّ الله لم يدخر شيئاً على عباده، إنه أجمل شيء في هذا الكون، سبحان اسمه العظيم.

فأضاف الحاخام ذو السلسلة الذهبية في عنقه:

أتصدقون إن قلت لكم أني كلما ذكرت اسمه أبكي من خشوع وحب.

كانوا يتجادلون ويؤثرون أُعطيات الله عندما اصطدموا بالشابين الموشومين برؤوس الأفاعي، فقال الشيخ:

ما بكما راكضين هكذا، أهناك ما يؤرقكما؟.

لم يتفوّه أحد منهما بشيء فأضاف القسيس:

ما هذا اللي تحملان؟.

واقترب برأسه من الورود وشاهد الصرصار المتفسّخ فأكمل بنبرته الهادئة:

ما هذا؟ صرصار ميت، هل رأيتما ذلك أيها الجليلان؟.

اقترب الحاخام من الشابين وعبّر عن غبطته:

أي جمال ذلك، صرصار ميت. لكن ألا تعلمان أنّ الكائنات بحاجة إلى دفن.

أخذ الأجلاء الورود الثلاثة من يدي الشابين الذين أطرقا رأسيهما أرضاً وغادرا.

وقف الأجلاء لتقاسم الورود، فاختلفا عن أيّ منهما سيأخذ وردة الأرجوان التي تحمل الصرصار. فتجادلوا وفكروا وتحزّروا، لكن لم يصلوا لنتيجة، فدفنوا الورود مع الصرصار في الأرض الطرية واتخذوا موقفاً، وكل منهم يتحدّث عن أنانية الآخر.


Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.