دفء دمشق.. العابرة في بروق الحبر بين مسائين

إلى دمشق، إليكِ، حيث وطأتِ، فلتنم الروح كما أنتِ، توءمين.

في دمشق يتلبّك الخيال؛ أعاصير من أنقاض تعصر العنب البريّ وتقود القلب إلى الهاوية.

في دمشق صلصالٌ يرتمي على كسل خفيف في الضُحى ويحلم بالنسيان؛ هناك يقول الشماليّ المُأسطِرُ، ورعشة في محراب الحنين، كانسياب الإله في النشيد، تعلو:

يا بلاد. يا ذهول العقيق في ملامح إناث الظلّ، يا أرضاً علت فيها الأرماس حتى اتخمت الوقت الخجول وماء القلب في رهبة المساء: تمهّلي في الصليل وفي ترويض الجحيم الحامض كالذاكرة، تمهّلي قليلاً في اللهاث، ليتسع أرجوان الشهوة على حواف العراء، وليحلم الكنعانيون بنفي أكثر هتراً ومديحاً للخلاسيات الوادعات كستناء الشتاء. تمهّلي لأنّ فرساً لا تُرى من ازدحام الغبش في البصيرة، لم تصهل بعد من وشم الحب في المدى. تمهّلي لأنّ الليلك رباعيُّ الجهات، لم يتلو بعد يقين سرَّ العمر الشفيف. تمهّلي لتستحم الحالمة بماء الغواية وتطلو جسد الغروب بلون الماء وتقول: سأغفو على ألق البعيد، لينثرني في مهبّ الرَيبِ، فأصبح كالمكيدة العذبة، وانسيهِ مجازات البحر.

في دمشق قصة شقاء أزرق لعابرة بكامل النرجس، تُصادق الدم المُتألق، وتذوي في الهزال والظلال. تزاول فكاهة الخطو إلى ذهولها فينشغل الجميع بالهذيان الشغوف. يضللون القمر بتفاصيل الرعود الكاذبة، ويقتلون الحنين، فيخلعون المعاطف من فوق أكتاف الحاضر، ويرتّلون أغاني الريح، ليهبط المغيب خفيفاً في الذاكرة.

في دمشق، تصحو العابرة على هزيمة باردة، ترمش الأهداب ثلاثاً ونُعاساً صوب النافذة، فيؤلمها لون القنّب المُسال من خيوط الحياء المُذهّب لشمس أودعت أنينها في غيمة رحلت صوب جنوب لتُحارب غبار الأرض.

تنهض العابرة بمقاس قدم، تطأ الألق النازف، وتسوق الجسد الهشّ صوب الفراغ والماء. ترتعش الخاصرة من برد سريع، تُطقطقُ العظام. ولا حقول لتداعب وحدة الصباح. يتهادى الوقت، وتخترق الفكرة كل الصمت، فتقول العابرة: ليرجع ألق الليل فأنعس، وأذوي بكامل الدفء فلا أرى حرباً ولا برداً ولا موتاً يُبهر القلب والضوء الخافت.

ولأنّ الأمنيات من فلسفات الكهنوت، تشتم العابرة في ظلال الحياة كل ما يسري من أوجاع في الخيال، وتذرف ماءً على وجه تُحاصره مدائح الضجر الحالم، فتخطو بقلق الشرق لتُسرج لهباً من أجل قهوة الصباح. تتجرّد من عذابات السنين، وترنو حالمة بالابتغاء المجهول، حريصة على نصر في حُلم يقظة. تشدُّ كفاً على رخام، وتشعر كفراشة غريقة، أن أحلام اليقظة ناقصة، لأنّ زبداً أساء ارتفاعه، فمحى لون الشفيف بها.

يباغتها اضطراب القهوة، فيوقظها من محنة الهمود الحالم.

بقدم يائسة من شهوات الشكِّ تطأ أرض اليقين، فترحل العابرة صوب غرفتها، تضع القهوة على ارتفاع ما، وتحدّق بساعتها التكنولوجية، وتفكّر: حاذق وجزّار ذاك الذي اكتشف الوقت.

تحزن مثل تائه في صحراء رأى ماء فظنّ أنه ماء، فانكسر كالسراب عند الحقيقة. ترشف قليلاً من سواد العمر والطعم المختلف، تنتشي برعشة المذاق، وتحدّق بالمرآة. تضم شفتين، تقترب أكثر، تبتعد، تحرّك رأسها لترى جانباً من العنق الطريّ. تتلمّس الوريد النابض بإصبع، فتشعر برعشة دفء ما بين نهدين. تتنهّد. تمرّر يدين على خاصرتين، تتلمس تفاصيل الجسد الغضّ، تُحِسُّ بأعاصير الوحدة، وتنسج في ألم كل هذا الصباح، شبحاً عذباً، يُسدلُ يديه حنيناً على كتفين ضامرين، فيخفق القلب، وتُغمضُ عينين مُنهكتين من فراغ الأحلام، فتشعر بالخلود اللحظي. تطير قليلاً، تحلّق عالياً مثل شرود البجع في السماء، وتستيقظ من سقوطها الحتمي أرضاً، لأنّ شاحنة عابرة مثل العابرة في الحياة، أطلقت مزامير اسرافيل في الشارع الخلفي للمنزل، لتعبر من كثافة التوقّف عند حاجز للموت المُصادف.

في دمشق تقول العابرة: كثيف هذا الكوكب، كثيف مثل الرماد، فلأرتدي ما يستر عورة النشيد الإباحي، وأذهب إلى موتي اليومي.

تنفض الرأس من أحلام الصباح، ترتشف القهوة مرتين متتاليتين، تفتح خزانة الأسرار، وتتأمّل الأردية المشابهة للعمر السريع، تحتار في الاختيار بين الداكن كجذوع الصنوبر وبين الشبيه بألون الزئبق الحزين، تفكّر: أأرتدي طعام الآيائل، وأدع الجوع يخز جلودها المرقّطة، أم ألصُّ من أول المساء رغبة اللون فيه لأفتن خيال الأموات؟.

تخلع عن جسدها الليّن النعاس ومئآزر الارتباك، تنفض الظنّ، ويُومضُ العرق العذب، تُطلق الأذرع للريح فيتناثر لون النبيذ في الجسد، وينشر رائحة ليلك صغير، يعاند الإلوهية والوجود، تفتتن بعريها، وتلهو بالهباء دقائق لتمنح الخلود طاعة. فترتدي قليلاً من لون الهاوية، وتتشح ما يؤمّن للجيد دفئاً بلون الشعير. تتمعّن بذاتها المنعكسة في المرآة، وتفكّر: ليس للأردية مهمة سوى أن يشاهدها الجياد الحالمون بالعبث، فيطلقون الخيال الحاذق، حول تفاصيل الأوردة النابضة بالدماء في فرس تكنز لون الشهوة، وتمارس فنون الحواة وراء كل الألوان الباذخة. جيادٌ حمقى، لا يفقهون اهتياج الزفير.

في دمشق، تهبط العابرة في الحياة من الحياة، كالمتلصصة على خجل العدم، نحو الاسفلت المُسيّج بالذعر، مليئة بمهرجانات الازدحام. تقف دمثة مثل ماء البحيرات في الأزل، فلا تُرى، لأنّ كسلاً صباحياً في الأجساد المرهقة تعلو كخيوط التبغ المشدوه بخطايا الغيب، لا يُفسِحُ للبصيرة وقتاً لاكتشاف الحظوظ وفروقات البداية المنذورة للصراخ.

في دمشق، تمر الحافلات كقوافل الإبل، فتعتلي العابرة هودجاً ممزقاً، لأنّ سيوف الأرباب حزّت مجاري الزبد البشري، فناقات الأساطير قادت الأموات إلى وصايا الآلهة، وحكايات الخلود المُحبّر.

في دمشق، بروق سريعة وحظوظ للأنبياء وللشعراء وللفاتنات، تتسكع وتُثير السلالات المُهشّمة والأحلام، فتقرأ العابرة في جريدة الصباح أبراج الحظّ، وتُفتّش بين الأسماء عن حلم راود القلب، فلا تجد سوى التيه، وبعضاً من أحرف سقطت في الفراغ، لأنّ يداً سابقةً قرأت المُسطّر على الرمادي الأليف ومزّقت من غضب الهزيمة كل الهذر الحائر. صمت طويل وتأمّل بعيد الوجود، أنين في رئات العابرة حزناً، وزنبق ينبض في القلب من أنّ المُمزّق هو الحقيقة التي تلاشت في غضب الآخر الهذيانيّ.

تفتح حقيبة اليد ولا تكترث بالشتاء، تُخرج مسلّة وخيطاً من أرحام الشقيقات الراحلات في المنافي، فتخيط الأحرف الممزقة في الجريدة، وتشدّ المشهد على بعضه، ليكتمل الحنين بدورته القمريّة، وتقرأ في الحظوظ: عبق قريب سيمحي رائحة الجسد، لتتماهى الأجساد في مُلهاة مسرحيّة، كطيف يؤنس الفجر الجريح.

في دمشق، يعمل الأنقياء الشاحبون مثل وميض الأنجم، ساعات إضافية، ليرفعوا السماء أعلى، ويرخوا نسل الأسطورة على فجيعة الظلال. يتشبّثون بفوضى الروح، وبالدفء المُرهق، يحتشدون في بوتقات الحاضر الأملس. يتقنون نسج السماء والعزف المنفرد على الصفيح. يلهثون ويحلمون، فتتأمّل العابرة كل الوجوه العمياء مثل حكم الحكماء المُتهجّدين، وتفكّر: كارثيّة عناقيد الصباح، سفك أنهك الأرواح، وطعن يؤلم الخيال، ومجزرة طائشة ستُدمي نبوءة النرجس، أو الليلك كما قيل في الحلم. كارثية رياح أول المساء، وذاك الليل القادم لا يُرفعُ إلا للذهول المتجانس في وثنيته أو عدميته. هذر ما أقول، فلأطعن القيامة مثل جميع الطاعنين، فقد يئست من فواجع الظباء.

في دمشق يعود الجميع ليلاً بهياكل الحجر، يكسرهم الحنين والأضرحة الممتدة كشاطئ بحري، يداهمهم سندس القلب الحزين، فيبتسمون. يشترون قليلاً من خبز الليل وبعضاً من تفاح أخطأ طريق الولوج إلى الشهوات، وأطالس لجغرافيا الأرض، من أجل أحلام ناقصة بالحياة، بُنّاً لقتل نُعاس الصباح، وتبغاً لتكثيف احتمالات سكوت القلب مصادفة ذات فجر.

في دمشق، تعود العابرة التائهة ليلاً مثل غزال أهدى المُرقط فيه أنجماً للسماء. فتدخل المنزل مثل الجميع. تجلس بين الغبار الترف، تنفخ في يدين للدفء، تعتكف، تنهض، تجلس، تحلم، وتسري في الروح غصّة بنفسج. تتلمّس سُرّة البداية، تصفر، تأكل، تجثو، تتقلّب، تزدان بالسطوع، تبتهل للأم، تتعارك مع الشقيقة، تدمدم، تنعس، تصحو، ترفل مثل زهرة اقحوان، تنفخ في اليدين، وتغفو على حلم أعرج.

في دمشق، يحلم الكثيرون مثل الكثيرين، بقليل من الضلال، وبالموت صخباً.

في دمشق، يحلم القلائل مثل القلائل، بكثير من الأحلام، وبالموت أناةً.

في دمشق تحلم العابرة فقط، بشيء من الحياة، وبالموت شغفاً.