مزاج موت.. في النهاية وعشق السبب

لست لاعب نرد، يرمي البلاغة وكلمات الحظّ كيفما اتفق، لأنجب قصيدة للموت المبتكر.

أنا عاشق التبغ، خاسر في النهايات المؤلمة للواقع، سجين الشراهة لانغلاقات الرئة، والمحطّم المعذّب للسعال القاتل. عاشق، يتأمّل الصباح إذا ما انكسر على صفحة ماء، ويحدّق في خيط الدخان دون معنى، فالخيط المتراقص ليس غجريّة كما يسجّل في دواوين الشعراء. عاشق وتقتلني فكرة الأصحاء بألم.. أنّ موتك اختناق قريب.

أجل، فالاختناق قريب أكثر مما يتخيّل المهذّبون الشرهون للأناقة وروائح الهدوء في الأرواح والعطور المباعة في الواجهات الزجاجية المتلامعة.

أيها المدخّن المنتحر ببطء من الحياة، استنشق كل تبغك، وحدّق في الأفق، ثم ابتسم وأنت تراقب انهيار العالم المجنون، فلا أحد يعلم عالمك. بمَ ستبوح للذي لا يدرك إحساس جمالك.. ماذا ستقول لوجوه اللامدخنين، تلك الوجوه الباسمة، اللامجعدة، النشطة في حياتها!.

أجل، مدخّن نموذجي للانحطاط أنت، وملوّث البيئة دون ندم. شره لتلك الرائحة الكريهة في الاحتراق، تدمع عيناك من ألم، كأنّ سيخاً معدنياً أصاب القزحيّة فأدمعها. لن يفهم اللامدخن أنّ للبكاء احتمال ثالث، لا هو ضحك من الحياة ولا هو حزن على الأموات. ولن يفهم أنّ قاتلاً طويل الأمد يسكن جُثتك المتحركة في وضح النهار، يختبئ فيك دون خوف، ويعلم أنك تعلم أنه قاتلك يوماً. لن يفهم اللامدخن تلك المعادلة الغريبة لوعيك.

عاشق أنت على مدار اليوم. تبغك حبيبتك، هي الأنيقة بشكلها، السامة بحضورها، وهي نشوتك في سريرك قبل الغوص في الحلم.

قد لا تنجو ذات ليل، وقد لا تشاهد الفجر. قد لا تستمتع بخلافات الأصدقاء، ولا بصوت الحبيبة، ولا بموت أبيك المحزن، ولا برائحة الخريف، ولا بلون الأشجار العارية، ولا حتى بصنع القهوة. قد تختنق دون أن يعلم أحد، فتتخبّط في سريرك محاولاً النجاة، تتقلّب نحو الأرض، ثم ترتفع قليلاً نحو السماء، وتهمد جثة لا قيمة لها.

وحيد أنت في منزلك، تمضي الأيام هادئة، ديدان تخرج من جوفك نحو الفضاء الرحب، فتزرق ثم تخضر من عفن الطبيعة بجسدك، وتتفسخ مثل أشلاء الحروب قبل أن يكتشف الآخرون رحيلك.

كل ذلك جائز، لكنّ اللامدخن الوسيم اتجاه الحياة، لن يفهم جمال لحظة الموت تلك، لن يسأل سؤال المدخن الميت غداً:

إن مُتّ لأنّ التبغ قاتلي، أليس هو القاتل الوحيد الذي لا يودعني؟. أليس الوحيد الذي ينتشر في جثتي ويموت بي؟. فانتهي وينتهي داخل جسد سيتحلّل تراباً؟.

أجل، التبغ مخلص أكثر من كتب السماء. وأكثر من شعارات البشريّة الإنسانية. التبغ اعتياد، لن نقول كلاماً عاطفياً لنبرّر فعل الحماقة بأمراضنا، لن نقول إنه حالة مثالية تربطنا بالألوان وبالهدوء، وبأننا عندما ندخن نرى الملائكة وهي تطفو حول الأرواح المنهكة. التبغ مؤلم، سافل، ومتعب.. لكن ذلك الاعتياد بكل ما يحمله من فوضى الموقف، والمشاكسة المزمنة للألم البطيء، وسرعة الموت الذي قد يخطفك في شهيق.. أليس كل ذلك مناكدة أسطورية لتدخل حيّز المقامرة على نفسك؟. أليس التبغ هو الرهان بين الحياة والموت إرادة؟. هو الخيار في مجابهة العالم، هو الاحتمال القائم أن تموت بخيارك.. فيكتب لك طبيب يرتدي مريلة بيضاء ورقة، ويعلقها بإبهام قدمك قبل دفعك في الثلاجة.. مات بسبب التبغ.

أجل أيها المدخّن المنتحر ببطء، ستموت بسبب التبغ، فقامر على حياتك.. أنت من امتلكت سرّ الخلود. تبّغ رئتك حتى يلتصق القطران في جوفك فيصيب الدماء بالشلل. اقتل نفسك بهدوء وأنت تراقب انهيار الجنون في هذا العالم.

أن تموت بسبب التبغ، هو أن تضع حدّاً لهالة الموت الأسطوري.