الحالمون بالفردوس.. ساردو الحكايات على أعتاب الخلود.

أبيض

يقول المحارب الحالم بالفردوس، لخصمه المحارب الحالم بالفردوس مثله، في ساحة امتلأت بأحشاء السحالي، عند ناصية شارع فارغ إلا من إشارة ضوئية تعطّلت عن عملها اليومي لأنّ السماء أمطرت لون زئبق منذ شهرين: “في الحروب المُتعبة، تُغبط الروح وتموت الذئاب الفضيّة وتنتصر الهزائم، فتمهّل في صناعة الموت، ودع الهذيان يغلي في قدر من الأسطورة المجبولة بالخيال. تمهّل لأن الحروب طويلة كليل إباحيّ، مثل أقدار نبيّ صدّق رؤاه فانتصر على الدماء العدميّة وأناشيد السلام وذاته. تمهّل، لأنّ الموت لا يملك صنعة الأجداد الحدادين، هو متسكع في الملكوت وربما في لغة الشعوب الآخرى لاهوتاً عاجياً. هو مثلنا، لا شيء يفعله سوى الانتظار. الموت لا وقت له، ولا فيه، ولا عليه. عدميٌّ مثل الآلهة، وربما مثل محاربي الأساطير الأبطال الذين يموتون حباً بالخلود. تمهّل كي تخيط الجميلات الباكيات، أكفان الوداع الأخير لنا، وليخرج الجرحى بكامل اندهاشهم وفرحهم إلى غدهم، بأن الحياة مِلكُ تفاصيلهم، وليأكل الأطفال المشردون لفافات خبز الأمهات، فرحلة الأبرياء إلى المنفى، تشقُّ الروح وتُتعِب الغيم. تمهّل ليطأ العجائز الأرض المُدمّرة إلى حتفهم الأبدي، ولتزغرد العوانس الشريفات قليلاً في وداع أحدنا. كلينا لا همّ لنا في الحياة سوى أن ينتقم كلينا من كلينا، الموت لا يعنينا بشيءٍ، فلنكن مثلما تتعهد النواميس العتيقة، أكثر إنسانية في حياة الآخر، وأكثر شغفاً في الحلم بالموت، لنرحل سوياً إلى السماوي الأزلي، خلوداً وشهوة ماء لا تنتهي بين الأزرق الغامق والأبيض الشفيف”.

أصغى الخصم المحارب الحالم، لقول المحارب الحالم، فاستغفر كائناً علوياً مثل راياته الممزقة، وأدمع عيناً شاهدت جرذاً يلتهم نصف جسد، وحضن خصمه اللدود، فجلسا على صخرة تتوسط ساحة قتال، يتأمّلان المساء المنكسر، فقرأا همساً سورة قصيرة لأنّ الوقت لا يتسع لسورتين، وأشعلا تبغاً مثل الهباء، وانتظرا وقتاً يعادل قراءة مؤمن لعشرة أناشيد خالدة من كتاب العهد القديم، وتأمّلا كل الهاربين الناجين..

أطفال يسترون الأكباد بكامل قذاراتهم ولفافاتهم \ نساء عديمات الجدوى في مديح الحرب \ عجائز يؤمنون بسحر الرمال على حافات الباطل \ رُضّع يثقبون غشاء الموت وصمته \ فتيات يانعات كالبنفسج يشتهين ذكورة مُضرّجة باللُهاث \ رجال يُتبّغون تعب الأرواح في الفصول الذاهلة \ مراهقون يمارسون الابتسام وحمل السلال لاغواء العذراوات \ جدّات يتمايلن كالسفن فوق الأنقاض لأنّ السكريّ أصاب أقدام الصلصال \ قطّةٌ بكامل فروها تعلّم أبنائها أن الحرب هاهنا ستبدأ \ غربان بلون حبر الشعراء، تنعق كوصيفات غُللن بالرقص للملوك، فلا تطير.

تأمّلا كل ذلك، وفي الغروب لم يبق أحد في الساحة إلاهما وبعض من أشلاء سحالٍ أنهكتها الحياة، ولا شهود سوى الإله في عرشه وندمائه من الملائكة الحيارى، وبعض غربان يستبسلون في القهقهة.

سارا بين الخرائب، درسا بكل تأنٍ جغرافية الأرض والدمار، رفعا وتيرة البطش والظلام في الأرواح، وأُسِرا إلى الجهات، فاحتكما كل إلى زاوية، وجهّزا كل ما لديهما في الجعاب.. أبواق اسرافيلية، قنابل من بلاد الثلج، رصاص يُحرّك رعب الماء، قذائف لإيقاظ الموتى، ألغام لتفجير العاريات وعتالي الوجود والجياد الصامتة، مدافع قديمة من مجازر الحنين، مسدسات خجولة لنثر القطن في المدى، نِصالٌ لطعن الخلود والأيائل النائمة، فؤوس لتقطيع الحطب والأيادي، حِراب من عصور أسطورية لقتل الخزّاف والحدّاد والاسكافي الأعرج.

وبين نظرتين ثاقبتين لمحاربين خصمين حالمين، لا يتنازلان عن الفردوس، تبدأ الحرب.

في الحرب كل شيءٍ مباح.. رصاص \ دهشة وغضب \ مساء لا يرى ذاته \ فجر بعيد \ حياة مملة \ سأم \ أحلام بشهوة الدراق في العلو \ رصاص \ رصاص \ انهيار \ انفجار \ انهيار \ غراب شهيد \ غبار \ موسيقى وقهقهة \ صمت \ مصائرٌ يباركها الخوف والرعب \ آذان تُصمُّ \ نعيق \ نعيق أكثر \ انفجار \ غرابان شهيدان \ شبه موت \ هستيريا أكثر جنوناً \ ريح \ شرفة مهدمة \ شرفتان \ صخب \ فوارغ موت \ موت وخشوع \ أحياء \ أموات \ نعيق \ حياة أكثر \ سكاكين \ فوؤس \ فوؤس \ أيادي \ ألغام \ حراب طائرة \ حراب كادت أن تُصيب الأعين \ حراب فقط \ خيال.. وبين رجلين أنهيا كل شيء، ولا شيء سوى سكين وفأس.. يركضان، كل باتجاه خصمه الحالم بالفوز.. قفز في الهواء \ طيران أكثر \ حلم أكبر \ موت أعنف \ وخيال أكثر مرضاً.. وبين الثواني الأكثر انتهائاً.. تتحرك الأشياء في الأيادي.. فأس في رأس \ وسكين في كبد.. جسدان مدميان.. أرض أكثر احمراراً.. وروحان أكثر صفاء.. بوابات سبع تُفتح.. وغرابان يبكيان كل الفراغ.

أزرق

في الطريق المُعبّد بالوشاية والسديم، جلس الخصمان الحالمان – الأموات في البياض، الأحياء في الأزرق – في مركبة الغيم، مفتونان بعدم التصديق أنهم الآن أموات. حدّقا ببعضهما، ضحكا بكامل الهستيريا، اقشعرا وضربا أحدباً عابراً كان يريد قطع الطريق إلى جهة اليسار، حزيناً، مليئاً بالرعب، والعدم.

فصاح المحارب الخصمُ: “يا شكل المتكردن، لا بُدّ أن الجحيم مصير أمثالك”.

حدّق الأحدب بوجه المحارب، فأسقط لؤلؤاً من عين، وفاه: “نعم، راحل إلى الجحيم، لأنّ شيخاً جليلاً قال لي يوماً، الجنّة مثالية، لك فيها كل ما تتمنى، لك فيها جميلات فاتنات يلعقن حدبتك… فلا أريد تلك المثالية، فالجميلات أرواح بيضاء، أكثر حباً وحنيناً وشهوة، لا ذنب لهنَّ في لعق مشوّه مثلي سوى أنّ الإله أكثر ذكورة في وعده لي. ربما كان الجحيم يناسبني أكثر”.

قال ذلك، وغاب في ممر جانبي تحيط به حقول من اليقطين الإلهي، فضحك المحاربان وهما يتمتمان: “أحمق ذلك الأحدب. ما شأنه بالآخر إن كان الآخر له مهمة إمتاعه بسطوة الإله، ما هو هذا الغباء المُستشري برفض الأحدب من أجل روح الآخر إن كانت روح الآخر ستقوم بما فرضه الإله!. كم غبيّ أن تكون إنسانياً وتفكّر في الآخر عندما تدخل الخلود. لو كنا أحدبان في الحياة لفعلنا كل الخير لنحصل على خلود تُلعق فيه الحدبتان حتى يرتوي الانتقام الأصيل في الروح من ذكريات الحياة المُتحاقرة”.

ونزلا عند فناء نورانيّ، يزفران إحساس الحرير في داخلهما. سارا بضع أمتار، وتسكّعا في الطريق المؤدية إلى الفردوس.

كان السديم طرياً، وعلى جانبيه، أشجار من سحاب أبيض، ومقاعد من عسل وشمس، يجلس عليها بعض أناس ينتظرون أدوارهم في العبور إلى مكان ما، كان الجميع يحدق بالجميع، نظرات تلوح منها شهوات بالأجساد، كان الجميع ينتظر، ينتظر شيئاً ما، الجميع شبه عارٍ، ترتفع فيهم شهوات المني إلى أقصاها، الجميع يحدق في الملاك الواقف عند بوابة الذهب، ملاكٌ أحور العينين، ذو فم كرزي.

الجميع ينتظر أن تُفتح بوابة الذهب الخالص ليعبر المخلصون للإله، الحالمون بكل نقصان الأرض، إلى الخلود الذي لا ينتهي، خلود بكامل الشهوات التي لا تزول. الجميع يفكّر بشيء وحيد.. خمور في القلوب \ وبحور مني في الفروج \ عذراوات \ عذراوات \ عذراوات \ عذراوات \ فروج أكبر \ فروج أعظم \ فروج أضيق \ فروج أكثر \ فروج بألوان الفجر الشتوي \ بنصاعة الثلوج \ بدكنة الغيم \ باحمرار الكرز \ بملمس الدراق \ بعذوبة اليقين \ بجمال المحراب \ بشفافية جناح الفراشة \ بنعومة المغيب \ وبرائحة الياسمين والزعفران \فروج لا تنتهي مثل بحور من فراغ.

الجميع يحدق بالجميع وينتظرون \ بوابة تفتح \ سكون للمستقبل \ حكاية أخرى \ سيصدّق المؤمنون ما آمنوا \ سيضحكون من كل الراحلين في جهة اليسار وينتصرون.

تقدّمت الحشود أكثر من ذلك الأحور العينين، يتأمّلون بوابة الذهب الخالص، فقال المُحارب الخصم: “متى ستفتح البوابة يا رضوان الله.. ألا ندخل؟”.

ابتسم رضوان، وهزّ مفاتيح البوابة، وحدّق بساعة الرمل المعلقة على خيط من ضباب يرتفع من السديم كحائط البُراق، وقال: “مازال الوقت مبكراً.. هناك خمس ثوان إلهية، اجلسوا في الفسحة السماوية ريثما يحين موعد الدخول”.

تراجع الحشد خلفاً، وبين أشجار باسقة بلون الأرجوان، جلسوا.. ولأن الانتظار طويل، قتلوه بحديث الغرباء الذين يودون معرفة الأشياء؛ فقال أصمٌّ منذ الولادة، نحيل مثل حنكليس، كان يعمل لصّاً في سرقة ظلال الإناث على رمل البحر: “مازال الوقت طويلاً، ليتحدث كل منكم كيف حاز على هذا الخلود، أو بأسوأ الأحوال، كيف مات.. لنقتل الصمت قليلاً”.

 استدارت الوجوه في الوجوه، فتفوّهت امرأة حامل بتوأمين، لأنّ زوجها كان كثير المني: “لم أكن مؤمنة كثيراً، كنت أنسى كثيراً من الصلوات، لأني مشغولة بهموم الحياة. كان زوجي رجلاً عظيماً، لكن رصاصة في حرب أصابت ظهره، فشُلَّ، ولأنه ذكر مثل الجميع، كانت ترتفع فيه الشهوات إلى أقصاها، وفي يوم، قبيل الموت، حلقت له الخصيتين، وحمّمته بماء فاتر، والبسته رداء جديداً، وأصغينا لصوت الموت خارجاً، لكن الحب أقوى من كل الأشلاء، فمدّدته على حلم، ورفعت فيه شهوة الذكريات، وجلست فوق كامل ذكورته، كنت أرى السعادة والحزن في وجهه، ويرى كامل النشيج في داخلي. هممت به طويلاً عندما اخترقت قذيفةٌ جدار المنزل، فأصابت الشظيّة بطني المنتفخة، فمُتُّ بكامل المتعة، شهيدة في إسعاد عاجز”.

وقال شهيد كان يحارب خصماً، فأصابت رصاصة رأسه وأوقعته في الأرض غرقاً: “أمّا أنا، فقد عشت سنتين في الفراغ، تلقيت كل صنوف البرد والحرِّ، قتلت خمسة وعشرين زنديقاً كانوا يشترون الطعام لأمثالهم، يُجدّفون بالله، وسبعة وخمسين مشركاً، لأن قنص العصافير البشرية هواية طفوليّة. هي رؤيا المحارب الشهيد؛ وفي يوم غريب، سئمت المكوث، فقررت أن أسير قليلاً بين الخرائب ربما أجد ضالتي في الحب، فشاهدت طفلاً صغيراً متكوراً، اقتربت أكثر، هززته، فنهض بشكل جنوني وأطلق رصاصة في صدغي، فمتُّ، فكنت شهيد الفعل الخيّر، بحسب الناموس المحفوظ”.

وقال كفيف، لم يغادر المنزل منذ أن أصبح في العشرين من عمره: “صليّتُ دهراً، لم أفعل شراً ولا خيراً، لم أتفوّه بكلمة في حضور الملوك، لم ألتفت إلى كل الأبرياء واللصوص، لم تكن حياتي سوى لعبادة ذلك النوراني كي أفوز بالخلود. أنجبت خمسة أطفال من زوجتي العمياء، وحافظت على أختي العانس من الخطيئة، ومُتُّ على سرير دافئ مثل القلائل في الحروب، فكنت الشهيد الصالح”.

وقال شاعر مات في المنفى لأن لصوصاً طعنوا الطحال وسرقوا الكُلية والنصوص: “كتبت كل ما يُسقط طاغية، وتصوفّت بالإله الرؤوف شعراً. هربت من أسوار كثيرة، وحلمت بحياة أكثر جمالاً، تزهّدت بلغة الله، وتغزّلت بكل الجمال الذي خلقه، وفي يوم، سرت غريباً في أرض غريبة، فطُعِنت طُحالاً، وسُرقِتُ نصا وكليةً، فكنتُ شهيداً حالماً بمحبة الله”.

وقالت الجدة التي تؤمن بالأساطير: “أنجبت عشرين رجلاً يهزّون الأرض، قرأت القرآن وأنا الأميّة، بكامل أحرفه لأنّ حفيدي علّمني التراتيل، آمنت بقصص أمي وجدتي، وقلّمت أظافري طوال دهر لا ينتهي، وزرعتها في تربة نبتة الصبار المنزلية، لم أرمها أرضاً، فحافظت على البشريين من تجمّع الشياطين الصغار ومكرهم. فالأظافر تجلب الجنّ الأشرار، والجنُّ أحفاد ابليس. فمتُّ يوماً وأنا أزرع أظافري في التربة، لأنّ جنيّاً صغيراً حقد عليّ، فضرب رأسي الهزيلة بعصا سيّده، فكنت شهيدة الخرافة”.

تأمّل المحاربان وجوه المتحدثين، فحدقا في بعضهما، وكادا أن يقولا شيئاً، لكنهما استسلما للصمت، فأي كلام غير مهم في حضور الخلود، لكن الخصم شعر بشيء في بلعومه، فنطق: “كلينا هنا، لأنّ الخيال مهنة الحالمين، فمتنا بهدوء الأباطرة، بسكين وفأس، ولا ضغينة بعد اليوم”.

قال ذلك وابتسم مع خصمه.. ولأن الإله رؤوف، لم يرغب بأن ينتظر الصالحون الخلود والفرح الأزلي في القلوب، فكان أن أخبر رضوانَه الأحور، أن يفتح بوابة الذهب للصالحين. وضع الرضوان مفتاحه في قفل الماس، وسمع الحشد، فانبرت عيونهم لمعاناً وخفقت قلوبهم مثل رقص نحل، فشاهدوا نوراً يشع بين درفتين، فنهضوا، يخلعون ما يسترون به عورات الحياة، متراكضين مثل بهائم دون راع إلى الخلود الذي سيكونون فيه لا منتهين.. يسيرون دون وعي إلى حتفهم الأزلي. يسيرون بكامل شهواتهم الخالدة.

هكذا دخل الحشد في الفردوس أفواجاً، مندهشين، غير مصدّقين، فلم ينتبهوا إلى ما كُتب في أعلى بوابة الذهب الخالص..

“في الداخل لا خيال”.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.