زائر حرب.. تدوين موت للحياة

ولأن الليل سيد على كل هذا الخراب المحيط بنعاسها، حرّكت بيمين الملائكة كوب الشاي المرصّع بالتعب، وأصغت إلى طرق المجهول على الباب الخارجيّ. كانت تعلم الزائر الغريب، وما يريد من الأغاني المحكيّة والأساطير.

يقول صوت:

موسيقى.. موسيقى على كل هذا الدمار.

رجفة برد أصابت الأثاث المنكسر في الوطن، فارتجّ المكان العتيق.

كان زائراً غريباً، يؤلف الأغاني لنصف الأموات ويتباكى على رحيل الغيم.. كان زائراً عابراً، أعجميّ البشرة، أشعث الثياب، أشقر اللسان، وفي عينيه شعاع بحر، كثيراً ما يغيب في زحمة التلاشي.

وطأ الأرض الغريبة، فتأمّل فسحة الياسمين في الشارع الخلفي، هناك كانت. صوّر المنازل وما كان يجري بها من أحاديث ليلية قبل الرحيل. أصغى لأزيز هوامش الحرب، ونام لأنه تَعِب. لم يفكّر بالمعادلات الرياضية كثيراً، فما هو بحاجة إليه أن يكون هنا ليسمع قصة ويمضي إلى حيث ما يحط به القدر.

استيقظ، شرب قهوته تحت موت عابر، ارتدى ما يحميه من شبح الروح القابضة، شاهد دفتره المخطط بطلاسم لغوية لا يُفهَم منها شيئاَ، ومضى إلى مصير لا يُعرف. سجَل الأشياء الاعتيادية في أي حرب… “أرباع أطفال، أنصاف سيدات، أشلاء عجائز، وشهداء يُرصَفون في الملكوت، لا ذنب لهم في الخلود سوى أنهم عابرين”.

أغلق دفتره ومضى إلى وجهته. سار بين الأزقّة المكشوفة وتأملّ اللاشيء.

تأمّل كل الفراغ وفكّر:

لا بد من أنها كانت بلاداً جميلة.

طرق باباً لا يعنيه بشيء سوى أن خلفه قصة.. ففُتِح. تقدّم من فتاة تجلس على شيء ما كأنها تطير. فتاة أكل الدهر فيها نصف جمال.

جلس وتأمّل تفاصيلها، فقال:

أين نصفك؟ وكيف تغسلين قدميك بماء الليمون؟ كيف تطئين الأرض لتعيدي ترتيب الأماكن في جسدك؟.

لم تبتسم الفتاة، وتذكّرت كيف أضاعت ساقين في ساحة حب، تأمّلت السماء الاسمنتية، واستمرت في تحريك كوب الشاي.

فاهت بالشفاه الطينية:

اغسل الأقدام بالذكريات، مثل كل أنصافنا، يؤلمنا الخراب وإنسانية الآخر المنهك، لم يعد يعنينا البنفسج المنفتح في غيم الشتاء.

استلم الغريب كأس شايه من يديّ الإرهاق فارتشف مستسلماً لمدعاة الحزن، وقال:

حدثيني عن نصف موتك؟.

تأمّلت النصفيّة ماء البحر في عينيه، يربكها جمال الآخر، وغابت في كلام الهذيان.

فاهت بعد صمت:

لم أكن فتاة جميلة، سمعت حكايات الجدات، وأصغيت لحكايات العاشقات. كنت أحيا مثل الجميع، لا أفقه في قوانين الهوامش شيئاً، ولا أهتمُّ بكل ما يجري من سيول الله في آسيا، لم تكن تعنيني كل الأمراض المميتة في أفريقيا. عشقت ثلاثة رجال، وعشِقت من اثنين، كانا على قدر من الطفولة، فاشتريت لكل منهما قطعتين من الشوكولا وغبتُ. سمعت لاحقاً أنهما ماتا في وطن غريب عنهما، مثلي. خرجتُ يوماً أسيرُ في الخيال المتبقي من المدنِ. رأيت الأشكال الهندسيّة وطريقة رصفها المتهدّم، وشاهدتُ تحطيمَ الأصنامِ الشمعيّة، كأنّ هُبلَ يموتُ في صراع الإلهِ الأوحد المتوحّد بذاتهِ، مرضاً في نخاعه الشوكيّ، وشممت طلاسم الكيمياء، ونجوتُ لأني بعيدةٌ عن الأرض. دفنتُ أبي مع أخي بعد أن غطيّناه بالدمع الكثيف لأمي .. وتركناه في تربةٍ جذبته كما الموج إلى المجهول فيها.. ونشرتُ غسيلَ ابن الجيران المتوفّى قبل دفنه، كي يجد ما يستر به عورة القيامة في خلوده، وتابعتُ التلفاز بكامل ضحاياه. هكذا كنت أمرر الأيام في جسدي. أنا مثل الجميع، مثل صهيل الفرس المُنهكة، انتظر الحب والسماء الزرقاء، فقلت لنفسي يوماً قبل النوم: غداً سأنجب طفلين، أحدهما يشبهني، والآخر يشبه ما سأختار من زوجٍ. عشقتُ ونمت على سرير دافئ وحلمتُ. حلمت بأشياء كثيرة. حلمت بأن الزوج كان يشتري تفاحاً، فأخطأت الرصاصة طريقها وأردته أرضاً لأنّ رأسهُ كانت تجابه القمر، وأنّ الناس تدخل في دين المنفى أفواجاً، حلمت بطفلين ميتين وبطعم الملح المرّ، حلمت بأني أتناول عشاءً في ساحةٍ بعد الخراب، وبأن الوقت توقّف عن عمله الأزلي، حلمت بأني أشرب القهوة على شرفة الغيم، وبأن الأفق ليس من اختصاص بلاغتي في الأشياء، وحلمت بأن شيئاً ثقيلاً هبط من السماء، فاستيقظت ورأيتُ بأنيّ الآن كما ترى، نصف جسدٍ، اجلس على شيء يجعلني إله، أحرّك شاياً للغرباء القادمين حزناً علينا، وأتلو قصة – قد تكون حزينة – على أمثالكَ.

لم يبتسم الغريب، ولم يبكِ… تأمّل شايه وعينيها، فأغلق دفتره المزخرف بأحرف أنصاف الأموات ورحل.

في ليل اليوم التالي كانت تحرّك بيمين الملائكة شاياً، وتنتظر رجلاً أسمر الوجود، وفي عينيه رائحة أقحوان.

1 Comment

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.