سماء دمويّة.. خلاص العذراء من فلسفة جند الله

وأرسلت زفافها البتول إلى الخُلد.

صباحاً …

بوطء الرصاص على كتفيه، عبرَ باباً، كأنه طائر هاجر من الغرب إلى الشرق مُعرّجاً على الجنوب، كي يصدم جناحاً في جبل ويهوي، أو من الشرق إلى الغرب، مُعرّجاً على الشمال، كي يصدم بحراً، فيغرق في شهوة زرقاء.

مُثقلاً برائحة الزيت التوحيدي، والحديد المتلامع كنِصال، وتمائم الكهنوت؛ فقال بعد أن ارتكى على حرير الخيال: “يا صاحب الدار العتيقة، وإني لا أعلمك ولا تعلمني، غادرت بلادي لنصرة الأبد.. أقول ولساني لا ينطق إلا بالحق كما أراه أنا.. أنا، وأنا البعيد الذي لا أرى سوى الحقيقة، قَدِمت من بلاد تتوثّن إلى بلاد يعلوها الإيمان لأتقدّس بتراب الكلام؛ إني، وإنّ الرؤوف على ما أقول شهيد؛ إني أسير خصيتين، أرفض الخطيئة منذ صغري، فتشابكت أعصاب الجسد، وفار الدم، وعقدت الروح مرابطة على باب السماء؛ وإني رجل أطمئنك، أنّ الثراء هوايتي من الضالين، فالرب يرزق من يشاء دون حساب، هذا ما جاء في كتب الناموس العتيق. وأطمئن عذراءك، بأنّ الرب أباح لي بسرِّ الوجود، فاكنزني بوسط جسدي، إذا ما استفزّه الجمال، وزغب الدُرّاق، أصبح كائناً صلباً كاللغات الحيّة، يُمزّق الهدوء ويقلب الغيم إلى همسات من ألم وأحلام في المخيّلة.. لذا أطالبك بمَ جاء في كتاب الناموس الأعظم، وهو أن أُحرّر المنيَ شرعاً.. أفتقبل؟”.

ابتسم العجوز المُصغي إلى فلسفة السلاح المُحتلّ البلاد شرعاً، ومدّ كفاً إلى كف جليسه، متفوّهاً: “وإني رجل عجوز، لا أملك سوى الخنوع لقوة من يتحدث بلسان الله؛ كل ما أملك – وما أملك ليس أكثر من عذراء – فداء الحقّ، فأقرأ”.

همهما كثيراً، يتلوان بعضاً من قداسة الكتاب، وتحويل الحلم إلى شرعٍ؛ فشربا بعضاً من أعشاب قد حلّلت في بيان الكهنوت. وانفضّ المشهدُ.

مساءً …

في غرفة أثقلها الرطب، وامتداد العفن في الجدران، رفعت ذراعاً أمام وجهها، فتمرّت بمرآة الجسد – الذكريات – وأغمضت عينين سماويتين، لتحلم. رأت تلك الأشياء التي رأتها سابقاً..

شارع كبير يفضي إلى جهة الشمس؛ شجرة خلف جامع يتلو تمائم الحشد البشري؛ أصوات مبعثرة بين الهنا والهناك؛ امراة عجوز تعلوها شرفة تنتظر شيئاً ما؛ طفل راكض في شارع ضيق؛ رجل أربعيني يشتري قليلاً من فاكهة الروح؛ شاب مراهق يرقص في حديقة مثاليّة؛ صديقة تحمل كتاب لغة؛ وحبيب سرّي كلما رأته أصابها الارتجاف في الأطراف.. لم تقل له يوماً، أنه عشيق قلب، لكنها كانت تحلم به عابراً في دمها. تنتشي في وجهه، ويؤلمها فراق طيفه.

فتحت عينيها نحو الظلام واشتمّت رطوبة الجدران، ورأت السواد يحيق بخيالها. أتعبها الموت غداً. أحسّت بقرف الهواء وأنفاس المتحدثين صباحاً، وفكّرت: “ذاك الأجش القادم من الهوامش والأساطير المزيّفة.. أأقبل به وأخنع لرؤى السكريّ اللزج منه إليّ، أم أرفض وأتلقّى صفعة من هواء وإذلال، فأقبل غصباً؟”.

آلمتها الأفكار، وأحزنها الوقت القريب، فتأمّلت صورة جدارية، كانت ترتدي فيها ما يُظهر السفائن. بكت ونظرت خلفاً نحو شرفة. رأت السماء كُحليّة. أرخت رأساً وحدّقت في معصمها، أعجبها لون الوريد النابض أخضراً، فهمست لروحها: “حتى الألوان تصطف كالرايات الممزّقة في الجسد”.

قالت ذلك ومدت ذراعاً صوب الريح، وبإصبعين في اليمين أمسكت نصلاً تهاوى في لمعة من ظلام. شرخت النبض، فتناثرت الدماء فوق الجسد.

خرّت صريعة، وحشرجت بهدوء فوق البلاط، تتطاير روحها ساحبة خلفها مسار من دم طويل.. دم شبيه ببلاد أنهكتها الأفكار والحروب الخاسرة وجند الله.

ليلاً …

كانت السماء تتقدس بلون ليس كحلياً، كان لوناً من اسم أثقله التاريخ، وعذراء أرسلت زفافها البتول إلى الخُلد.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.