الثقافة الغربية ووهم المجتمعات

ليس من شك أبداً أنّ تجربة العالم الغربي ثقافياً، هي من أهم التجارب التي وُجِدت في التاريخ البشري، من حيث قدرتها على تقديم فكر أفاد المجتمعات بشكل عميق، وقد استفاد منها الآخرون لتطوير امكانيات مجتمعاتهم.

لكن الكثيرين ممن يؤمنون بأنهم يحملون على عاتقهم مهمة الارتقاء بالفكر داخل مجتمعاتهم إلى مصاف خاص من تعقيدات الذهن وتحرره في الدول المتخلّفة عموماً، من حالة أسطرة الوعي التي يتواصلون من خلالها مع العالم الغربي بنتاجه الثقافي، دون معرفة واعية أو حتى تعريف المسميات الضرورية للتواصل مع النتاج الغربي، فتراهم يقدّمون الغرب بحالته الثقافية والاجتماعية على طبق من ذهب دون إدراك أو بحث في تفاصيل البيئة التوعوية في المجتمع الغربي، فيحوِّلون الغرب بتلك الأسطرة على أنها الفردوس الفكري والذهني المخلِّص للفكر العربي المتردّي، ويرفضون الواقع وتجليات الإبداع فيه، ومحاولات التطوير داخله من خلال تقبّل الغرب لكل شيء، دون فهم أو بحث عميق عن حالة النتاج الغربي وحقيقته.

ففي معرض تعريف الثقافة، على أنها مجموع الأعراف والتقاليد والقيم الأخلاقية التي تسود في مجتمع معين، من أجل تباينه مع مجتمعات أخرى، وتحكّم تلك الأعراف بضبط الأفعال البشرية وسلوكياتها مع العالم من خلال التأثير والتأثر به، فنحن إذاً أمام حالة انسلاخ حقيقي يعيشه الغرب بالمفهوم الثقافي، على مستواه الاجتماعي، وأمام حالة من الجهل بالمعرفة لمفهوم الثقافة التي تحدد في المجتمعات العربية، من أن الثقافة هي حالة إعادة صياغات الفكر التاريخي النخبوي، لإنتاج حالة أكثر تمدناً في المجتمع.

إن الفكر الشرقي، الشعبي عامة، والنخبوي الثقافي خاصة، يعيش حالة قلق مزمن، وخوف أمام الآخر، ومحاولة أسطرته. بالرغم من أن الاحصائيات التي تصل إلينا عن الغرب من منظمات معينة، هي صادقة. فعندما نتحدّث مثلاً على أن المواطن الأمريكي يقرأ 11 كتاباً، والأوروبي 7 كتب في السنة الواحدة، يؤدي بالنخبة الشرقية إلى حالة من الانبهار دون التدقيق بحقيقة وصحة هذه الاحصائيات.

عن ماذا يقرأ المواطن الغربي؟

هذا سؤال مشروع على ما أعتقد لفهم إلى أين يسير الغرب. إن الإنسان في الدول المتحضّرة، هو صنيعة مؤسسات سياسية واجتماعية ثقافية خاصة، هو حالة شبه ميكانيكية. هناك أيضاً نخب ثقافية موجودة في الغرب، لكنها أيضاً تعيش حالة انفصال عن الواقع اليومي، حتى تلك الحالة الثقافية هي نتاج مؤسساتي موجّه القيم، والحالات الابداعية فردية جداً.

الإنسان الغربي هو متابع ثقافي خاص جداً، من خلال قراءاته ومتابعاته الفنية أو العلمية الخاصة، التابعة لمؤسسات المجتمع السياسي.

ففي المجتمعات الغربية، ينحو الإنسان إلى ثقافة يومية، تساهم بترسيخ حالة الانفصال بين الواقع المعاش والفكر المجرّد، مما يسمو بالفكر إلى حالة خيالية تجعل من الإنسان شكلاً من التعقيد، وخلق الإنحراف النفسي، والبعد عن قضايا يومية وحياتية تمارسها المؤسسات المسيطرة فكراً وأخلاقاً واقتصاداً، فالمتابعة الثقافية، تأخذ شكل التركيز على النتاجات الابهارية الحسيّة، والممتعة.

فأعلى قراءات قد اُحصيت في العالم الغربي بين عام 2010 و2013 قراءة ومبيعاً:

  • الانجيل (الكتاب المقدس) \ 3.9 مليار.
  • اقتباسات من أعمال ماوتسي تونغ (قائد الثورة الاشتراكية في الصين) \ 820 مليون.
  • هاري بوتر (رواية خيال) \ 400 مليون.
  • ملك الخواتم (رواية خيال) \ 103 مليون.
  • الخيميائي (رواية دراما) \ 65 مليون.
  • شيفرة دافينشي (رواية بوليسية) \ 57 مليون.
  • توايلات (رواية خيال) \ 43 مليون.
  • ذهب مع الريح (رواية دراما) \ 33 مليون.
  • فكّر وأصبح غنياً (كتاب رأي) \ 30 مليون.
  • يوميات آن فرانك (مذكرات أدبية وسياسية) \ 27 مليون.

ضمن هذه الاحصائية يكون العالم الغربي يقرأ فعلياً 5478000000 مجموع الكتب العشرة الأكثر مبيعاً وقراءة في العالم.

لكن إذا كانت هذه نسبة القراءة، التي تُركّز على ازدياد الوعي لدى الشعوب، فأي نتاج معرفي يمكن أن ينتج في الغرب على مستوى الشريحة الأوسع، وهي الشعب؟ طبعاً ليس إقلالاً بقيمة الكتب السابقة، لكن هل هي نمطية ثقافية يمكن أن تقدّم فكراً استثنائياً لتطوير المجتمع؟

من خلال هذه الاحصائية يتبين معنا أن المسؤول المباشر عن الثقافة الغربية هي المؤسسات السياسية الموجّهة، وأن الأمر لا يختلف كثيراً عن الثقافة الشرق متوسطية أو في دول العالم الثالث. بالرغم من أن ثقافة المنطقة لها نمطيّة من البحث عن كلاسيكيات الثقافة.. في المجتمعات الطبيعية.

إن الغرب يعيش حالته الثقافية بمعزل عن الفكر الذي ينتج حالة من الوعي الحقيقي، فهو يبحث عما يزيد من متعته اليومية، بعيداً عن الابداعية الحقيقية. وطبيعة هذه القراءات تنحو بالمجتمعات الغربية إلى تصديق الخيال والوهم المرضي المنتشر في تفاصيل الحياة، والبعيد عن حالاته العلمية الدقيقة، فتزداد حالات الإيمان بالتمائم والسحر، والرجوع إلى اللاهوت في الفكر الشعبي.

إن محاولة أسطرة ثقافة الغرب في الوقت المعاصر على المستوى الذهني، من قبل مثقفي المناطق المتخلّفة، يؤدي بشكل طبيعي إلى الشعور بالضعف والخوف مما يسمى شبح الثقافة الغربية، بالرغم من أن حقيقة الأمر بعيدة كل البعد عما ينشر عالمياً، وبإحصائيات الغرب نفسه.

باختصار، إن تطور المجتمعات الغربية تكمن مسؤوليتها على مؤسسات تلك الدول وليس على ثقافة شعبية منتشرة في أوساط الناس، ولو أن سياسة الدول في تطوير الكائن الإنساني من انتاج قوانين ثقافية هي حالة سجينية من ميكانيكة التفكير للإنسان الغربي، وبعيدة عن ابداعيات الفرد المتمرّد، والقليل في الغرب. المسالة باختصار تكمن في سياسة الدول لمنع الناس من السقوط في بوتقة الغيب والتخلف.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.