إيمانويلا رائحة قهوة الجسد.. نصٌ في الصلاة العابرة

إلى العشب الذي ترعاه الأيائل الذكور في عينيك. إليك، وأنا الذي لا أعرف سوى أنكِ ربداء كقمح في العتم. إلى إيمانويلا، مع نصف شيء في قلبي، أن تصبحي ذات برهة، نبيذاً ومساء.

أخبرتني صديقتي يوماً، أن إيمانويلا، ترغب أن يُكتب فيها نصاً. كاتفتُ ذراعيّ وتأملت الجدار مفكّراً ثم تفوّهت: كيف يمكن أن يُكتب شيء لا تُعرف ماهيته!. فقالت: ألا يكفيك أن تعلم أنها سمراء وبعينين خضراوين؟. فكتبت ما راودني خيالي به على نفسي. طويت الأوراق، وذهبت فيما بعد لأشاهد إيمانويلا؛ رأيت إيمانويلا، جسداً داكناً يعبق برائحة قهوة، وأدركت حينها أن الخيال المُستقدَم كخيال محض، لا يكذب على الرغبة والنص والقلب.

حكاية إيمانويلا برائحة القهوة

البنُّ وصيّة الله للشماليين”.

أدرج كاهن الصباح قوله في قاموس الحكمة وانسطرَ في الظلال.

بعد زمن استغرق وقت إدراك أنّ الحياد فلسفة الباطل، كانت هي من تطأ الأديم بخفّة ريش الإوز. تنحدر صوب اللغة كحنجرة مغنّ فلكيّ. ترتدي دكنة اللون والرائحة باقتسام الياء على ألف نوّن في شريعة الكهنوت، وناسوت القلب.

عبرت – كأنها إرادة ليلك – سُدس الرواق، وصكّت بعشب العينين نقد الفراغ، وفوضى الارتباك في العمق، كأنّ حفيف شجر يهمس مادحاً النبر: “ها أنا قادمة، وارتعاش يرصد شمالياً متعباً من رعي الجميلات كأنهنّ إوز. ها أنا قادمة من حلم الخليقة الأول، فلا تربك – يا من تفيض بلغز الجريدة – ذراعيك النحيلتين في صدفة الذهولِ، كي لا تُجرح قطرة العرق بنصل الخفاء. اكتب”.

قالت ذلك بهمس القلب وهي البعيدة، مصوبة خطوها إلى السراب الذي سأصير، فقلت لنفسي – كأنّ التصوف إشاعة – بصمت الحالم: “أهي من رأيتُ قبل أن أرى فكتبت؟ أم أنّ الشبه في البلاد جُرحٌ يدمي الخفوت والخيال؟”.

فقالت نفسي الأمّارة بالجمال والفاكهة، مُجيبة نفسي المنفيّة بوجه الإشاعة: “هي ما قُلتَ أنتَ يوماً. هي من تُنِعس العشب في فراش الماء الأبيض بين هدب ترعش الجنوح. هي من رفعت ربد الحكمة في جغرافيا الرمل، كي ينحت الشعراء بالزبد ضفيرة القمح. هي التي أوجدت لاحقة اللغة الغجريّة في سهب دون كيشوتيَّ المعنى. هي التي لن تعرف – أيها اللغويّ – أنها ستصبح هاجس خيالك. هي التي إن أوطأت قدماً بجانبك، ستشتم وصيّة الله”.

قالت نفسي ذلك لنفسي، فانتظرت صنوبرة الجهات، كي أدل على جمال البرّ.

عبرت – كأنها أمس في القصيدة – سدس الرواق، وعند بوابة معبد اللون، حيث كانت أيائل الفنّ في عمق الظلّ، تقضم جهد الشمس المحلّى، لتطعم من جوع وتؤمن من كبرياء. كانت سيدة العشب والربد تطأُ لوحة ملاك غير مكتملة، بخطو يُؤنِّثُ الإيقاع مصادفة، ويبتكر نكهة الشرود والشهوة في نصف عاج حسيّ، كأنّ الوطء يحاكي شغف الإنصات بعشر خطوات من صلاة:

خطو أول في صلاة أولى… زبد البحر خاصم بلاط البرّ.

خطو ثان في صلاة ثانية… شاسع ملح الماء في ذراع اللون.

خطو ثالث في صلاة ثالثة… زغب المرايا لا يخطئ تحديب السكون.

خطو رابع في صلاة رابعة… مخمل النون يتفكّه ويتنكّه برداً وسلاماً.

خطو خامس في صلاة خامسة… ربعُ خالٍ، صحراء إيمانية، ثلاثة أرباع خطيئة.

خطو سادس في صلاة سادسة… هاجسان يرفعان النبيذ والمساء إلى دواة النطق.

خطو سابع في صلاة سابعة… نصف تميمة تنتظر المجهول لنقاسمه الرعشة.

خطو ثامن في صلاة ثامنة… ناقصٌ، لأنّ أربعاً لا تكفي حارس مؤن الشهوة.

خطو تاسع في صلاة تاسعة… الخيال صادق في الأزرق، الخيال قاصر في الأخضر.

خطو عاشر في صلاة عاشرة… ما بين فراغين، فلسفة تفوح بنّاً.

وطأتْ عشراً من لغة ثابتة، وفي الخطوِ الحادي من العِشرِ، لم توص، بل أنعستْ العشب بين وجهين يتأمّلان ترجمة الخمائر المهتاجة، تفصلهما أربع بوصات من سرد سرو.

فقالت بصمت العشب: “ما بالك أيها الحالم!، صدّق خيالك وما كتبتَ. أنا التي حلمتَ. أنا التي أترفت غيم الجيم، ونحتت خيالك كي يكتب الفراغ بحبر السديم. أنا من أُحيي كُلّ الأيائل الحاضرين حولك الآنَ. أنا أُغنية القطاف المعتم لحصّادي القمح. أنا الوجد المستتر.. فأقرأ”.

عُلّقتُ بغبش الاقتراب، واقترنت بصباحات المعاني، فقلت لنفسي كأني أُحادث الخلود: “إذاً فليكن الفاصل بيننا حرف من اسمي وما تبصرين”.

احتكمنا إلى عين اللغة، فقرأت رغبة الارتعاش خلف النهد وانعكست، فسئمت من بلاغتي الخرساء.

نفضتُ رأساً كي أُزيل غبش الصفاء الأخضر، والضباب الماكث فوق لسان المكر، لكنَّ خفّة الوطء لأنثى العشب، أثقلت وشم الذاكرة بالجنون، مقيّدة كبد اللغة من فرز السموم.

آلمني نصف الشلل السام، عابراً في المري والطحال، لا لأنّ العشب أبديٌّ، بل لأنّ جسد البن عبق، فثملت من رائحة وقلت لنفسي المتفكهة بالجمال: “نحن أصحاب الأسماء الثلاثية، لا نملك سوى الهواجس”.

قلت ذلك، فتجاوزتني رائحة البُن نحو الظّل، مكملة سيرها في اللاشيء، تمر بين الأيائل الساكنين بالهدوء، الراغبين بقضمِ العشب، دون الجنون بعصر البُن، لأنّ الأيائل لا تحبّ عصارة الرحيق ولا الهواجس.

تتبعت خطو سيدة البُن في اللاشيء، حتى أوقفت جسدها عند أيل وسيم، متسائلة بمكر الحكماء الذين يأكلون سمسم الرغبة: “أيوجد ما هو غريب في العشب؟”.

حدّق أيل اللحظة ببلادة نغم، مصيباً لكنته في آذان الحاضرين متفوهاً: “لا شيء غريب سوى أن العشب نما”.

فخطفت سيّدة البُن عشبها ورائحتها ونصف دورة في معبد اللون، راحلة دون أخذ شيء، كأنّ حضورها كان شبحاً.

تبعت بعينيّ رداء الخطوط المتضاربة وهي تخرج من بوابة المعبد، تاركة خاصرتي اللغوية تنزف من جمال وإدراك.. من أنّ القادر على جمع العشب والربد والبُن، هو الوحيد القادر على أن يوحي للحبر نصّاً.

عندما غابت بكامل هيكلها وعذوبتها في الفراغ، تأمّلت ذاتي وقلت: “إلهي وأنت سيّد الوجود، أوصي برؤاك، إن كان لا بد من محتس للبُن، فليكن شمالياً يزرع الحماقة في الجهات، فالكاهن أخبر الريح العجوز، أنَّ البُن وصيّتك للشماليين”.

استأثر الإله باللحظة غاضباً، متفوّهاً: “كاهن الصباح قال ما لمْ أقل. أنا سيد العدم، وردائي كون، ونصلي أزل. أنا الخلود والوصايا للأموات. أنا سيد المفردة والاشتقاق. فإن كان لا بد من صلاة إلهيّة، فلتكن جنوناً يخصّ الشماليين”.

قال الإله ما قال، فضبضبتُ رغبتي في كيس القلب، ورحلت في مدينة الشمال، مُصاباً بموسيقى الماء واللغة، مُدرّباً قلبي على التسكّع واللااهتمام، ومُمرناً لساني على آخر ما قلت في ذلك اليوم:

الإله لا يُدرك سوى المفردة والاشتقاق

إذاً فنحن أسياد على البُن وعلى الجنون.

قلت ذلك وغابت شروش الشمس في الأفق، كما سيدة البُن ذابت في الفراغ.

ليلاً وفوق فرش الماء، قلت قبل الحلم: “نصف قلب يمكن أن يُهدى للبُن إذا ما فُهمَ المجاز، لأنَّ النصف الآخر قد تزوّج الأزرق واللغة”.

قلت ونمت مُستأثراً بالصمت، بعد أن أطبقت قبضة على بعوضة هائمة.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.