المسرح بين المؤدي والثقافة

لن يختلف أحد على أن فن الأداء المسرحي (التمثيل) هو من أصعب وأروع الفنون الأدائية على الإطلاق، لا لأنهُ فقط يتجه بالمنحى الحكائي إلى عوالم تنتزع من الإنسان إدراكهُ بالعالم الخارجي، بل لأنّ طبيعة الأداء المسرحي تتطلب جهداً من معرفية فلسفية تُتيح لها أن تكون على قدر من الذُهان والتحليل، تجعل من المُمثل حالة نصيّة تفرض أدائها الورقي تجسيداً واقعياً. وهذا يؤدي إلى جُهديّة عالية من قِبلْ المؤدّي على خشبات المسارح.

وبالرغم من أن الممثل المسرحي يحتوي على عنصر التناقض الظاهر في حالة انفصاله ما بين شخصيته الواقعية وشخصيته المُكتسبة من خلال (تركيب الشخصية النّصيّة) إلا أنهُ يحتاج إلى ثقافة معرفية عالية تُتيح له التأثير على الآخرين من خلال أدائهِ دون أن يتأثر بالفعل البشري للمُتلقّي المُتابع.

وهذه إحدى إشكاليات المُمثل الهاوي أو المُحترف في صناعة الفن المسرحي على خشبات المسارح.

فالذاتية المُفرطة التي يتم التعامل بها على المسرح، ومع الشخصية النصيّة، تُعاني إشكالية فهم النص أولاً، فالأداء بالنسبة للممثل يندرج ضمن مفهوم تعابير وجهية مُعيّنة أو حركات جسدية خاصة، بعيداً عن تحليل ورؤية عميقة لمَ يُريد كاتب النص أن يُوصِلهُ إلى المُتلقي.

فيقع الممثل في خطأ السلوكية المُفترضة البعيدة عن فهم الشخصية بالبُعد السيكولوجي المرضي أو ببُعدها الاجتماعي. فيبقى الممثل أسير تجربتهِ الدرامية الضيقة الأفق، والتي يُصبح تمحورها الأساسي حول الإبهار الجسدي أو الصوتي.

وبالطبع، إن هذا الخلل في سلوك الممثل نابع بالدرجة الأولى من خلال ضعف الثقافة المسرحية، إن كان على مستوى قلّة المشاهدات المسرحية أو من خلال القصور بالقراءة المسرحية أو القصور بالفهم العميق لما يوجد في العمل النصّي، وعدم القدرة على التحليل في إطار النص المسرحي بشكل تكاملي، أو تحليل الشخصية المسرحية واكتشاف تناقضاتها وأفكارها وشحناتها السلبية والإيجابية، بشكل خاص.

وبالرغم من وجود الكثير من المواهب المسرحية إلا أنها تبقى قاصرة، وغير قادرة على التطور. فموهبة الممثل لا تكمن فقط بالإحساس الصادق بل يجب أن تتم ترجمة الإحساس إلى سلوك عملي على الخشبة مع الوعي التام بأنه يقوم بالأداء الانفصالي الواعي بين شخصيتين من أجل الوصول إلى حالة الإيهام المُثلى.

يقول دينيس ديدرو: “إن الممثل ليس مرادفا للشخصية إنه يؤدي دورها ويحسن أداؤه بحيث تظنون أنه الشخصية ذاتها. الإيهام من أجلكم أنتم أما هو فيعلم تماماً أنه والشخصية اثنان لا واحد”.

فمن هذا المُنطلق الديدوري نستنتج أن على الممثل المسرحي أن يكون عبارة عن حالة جدليّة من المشاعر المُتناقضة لتصل إلى المُتلقي بطريقة صحيحة في تجسيد الشخصيّة النصيّة وإيصالها إلى المُتلقّي بالذهنيّة التصديقيّة رغم إمكانية معرفيتها بنصوصيها، وممارسة الإيهام في أعلى مستوياته.

ودون إدراك الممثل لهذا الجانب من المعرفة والثقافة المسرحية، يبقى صنف من المؤديين النمطيين الذين يدورون في حلقة مفرغة تأخذ منحى (الآلية) في التعبير عن الفكرة والأداء المسرحي، فيتحولون إلى أنماط مكررة ومُستنسخة من بعضها البعض ضمن مجموعات العمل المسرحي، فتتكاثر إشكالية التقليد والتماهي. إن الموهبة التمثيلية لا تكمن في الشعور العاطفي عند الممثل بل في قدرتهِ على ترجمة مشاعرهِ بفعل سلوكي مُركّز.

فحالة الاجترار النفسي والمعرفي الجامد لدى الممثل المسرحي، تؤدي بهِ إلى تكرار ذاتهِ بطريقة مُقنّعة للأفكار من خلال تجسيد على مستوى التعبيرات الوجهيّة من غضب وفرح وحزن بشكل استهلاكي ومبتذل، أو من خلال إيماءات وإشارات صوتية كي يساعدوا شخصياتهم النصيّة في الوصول إلى ذهنيّة المُتلقّي، مما يُسبب شرخاً بين الممثل والمُشاهد، دون وعيهم أو إدراكهم أن الأداء المسرحي يجب أن ينمو ضمن تراتبية تدريجية لطبيعة الشخصيّة النصيّة وليس إقحام الخُبرات القديمة المُكتسبة في العمل المسرحي.

يقول روبرت لويس: “مندفعون لارتداء معاطفهم في أول يوم عندهم وبعد ذلك في غضون التدريبات يحاولون ارتداء ألبستهم الداخلية. إن التمثيل عندهم لا يتعدى كونه مجرد محاكاة سطحية للسلوك البشري برصيد جاهز من الحركات والتشنجات لا باعتباره (عملية خلق فني) انهم يترجمون أفكار المؤلف بالصيغة التي تواءم ومعطيات أنماطهم الخاصة”.

إن عملية الأداء ضمن هذا المعيار تهبط بالمستوى المسرحي إلى الحضيض ويتحول المسرح إلى أحد الأشكال الاستهلاكية، ويبتعد عن حالتهِ التاريخية، وهي المُساهمة، ليس فقط في بناء المجتمع ثقافياً، بل إنتاج معرفي يؤدي إلى المزيد من القيم والسلوكيات التهذيبية التي تنحو نحو بناء وعي جمعي للمجتمعات. إن جميع هذه الكوارث المسرحية والبشرية، نابعة في الدرجة الأولى من قيمة الممثل وأفكاره وقدراته الثقافية والمعرفية.

يقول أوكتافيو باث: “ليس هناك إشكالية كاتب مسرحي في التاريخ، ولا وجود لإشكالية مخرج مسرحي، أو حتى ناقد مسرحي. هناك إشكالية ممثل مسرحي، يُصاب بغرور الشهرة، فيرمي الكتاب من النافذة”.

رغم تهكميّة باث، إلا أنّ كلامه من الدقّة ما يجعل نقد باث مُستحيلاً. إن الممثل المسرحي (التقليدي) قد وصل إلى ذلك الحد من عدم الفهم والابتعاد للأسف عن الثقافة المسرحية، وأساليب القراءة وأصبحَ يعتمد على مخزونهِ الذاكراتي، ووعيهِ الثقافي التقليدي في تجسيد العمل المسرحي، دون الإلمام بتفاصيل النص المسرحي أو حتى القدرة على تحليلهِ وتحليل شخصياته. فيقع في مطب وهمه من أنه قادر على إبداع كل شيء دون مساعدة أي شخص في مجمل العمل الثقافي المسرحي أو نظرياته.

Words

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.